الأربعاء، 31 أكتوبر 2018

الشعر المجعد وذكريات الطفولة واعتناق الهوية

منذ صغري، تعلمتُ أن شعري ليس جميلاً وجذاباً لأنه مجعد. كانت أمي تمشطه وتضفره إما بتسريحة جودي آبوت ذات الضفيرتين على جانبي الرأس، أو بضفيرة واحدة في الوسط. كانوا إخواني يمزحون معي بطريقة الإخوان اللئيمة ويسمونني "أشعة الشمس الضارة"، لأن الشعيرات القصيرة المجعدة في مقدمة رأسي كانت ترفض تسريحات أمي ومحاولاتها لفردهم. لم تساعدني حقيقة أن اسمي "الشعثاء"، بمعنى الشعر الأغبر وغير المذّهب، لأني تخيلت أن اسمي يلائمني ويلائم طبيعة شعري. كبرتُ قليلاً وأصبحتُ أملس شعري باستخدام المواد الكيميائية التي تفرد الشعر لشهور عدة - من ثلاث إلى ستة أشهر - لحين ما يطول الشعر ويرجع لطبيعته، ثم أملسه مجدداً. كانت عملية مؤلمة وحارقة ولكنني كنت أسعد بالنتيجة دائماً، لأنها أشعرتني بالجمال المتمثل في الشعر الأسود الأملس الطويل، والقابل للتسريح من غير جهد. ثم لبستُ الحجاب وتوقفت لفترة عن الإهتمام بشعري، باستثناء في المناسبات الإجتماعية الخاصة بالنساء كالأعراس والحفلات البناتية حيث كنت ألجأ إلى الصالونات النسائية لفرد شعري. قررتُ وقتها أني تعبت من العلاج الكيميائي المسمى بالتمليس، وأريد لشعري أن يعود طبيعياً. لم يكن قراراً سياسياً أو تمرداً بقدر ما كان قراراً نابعاً من عدم معرفتي بصالونات تملس الشعر في الكويت - حيث درستُ البكالوريا. كنت ألبسُ الحجاب حتى في السكن البناتي لأني لم أكن أعرف كيف أسرح شعري وكنت أخجل من إظهاره أمام البنات. مررت وقتها بالمرحلة الإنتقالية الكريهة، حيث الجذور مجعدة والأطراف ملساء، إلى أن اكتمل نمو شعري الطبيعي وقصصت الأطراف الملساء. 

لم أفكر أبداً طوال هذه السنين عن التأثيرات الإجتماعية والنفسية والسياسية للشعر المجعد. مع قدومي للولايات المتحدة قبل أربع سنوات ومع قراري بخلع الحجاب، بدأت أفهم قليلاً الآثار المترتبة على هذه الضغوط. فمن جهة، هناك مقاييس الجمال المتأثرة بالمركزية الأوروبية والتي تملي علينا مفاهيم معينة كالطول والضعف والبشرة البيضاء والشعر الأملس والتي نشاهدها طوال حياتنا من خلال الأفلام والأغاني الغربية وتؤثر على نظرتنا لأنفسنا بحيث نطمح إلى "تحسين أشكالنا" من خلال كريمات التبييض - "فير آند لافلي" :) - ومنتجات تمليس الشعر. قرأتُ في أحد الأبحاث* ارتباط شكل الشعر للنساء العبيد في أمريكا بوظيفتهن: المرأة السوداء بالشعر المجعد كانت تعمل في الحقول، في حين أن المرأة السمراء ذات الشعر الأشبه بالشعر الأبيض، الأقل تجعيداً، كانت تعمل كخادمة في المنازل. وبالطبع، لا نزال نرى آثار هذه العنصرية إلى اليوم حيث يُعتبر الشعر المجعد، المضفر، الآفرو غير احترافي في بيئة العمل، ويجب "ترويضه" وجعله أقرب للشعر الأبيض بقدر الإمكان. ومن جهة أخرى، ربما أكثر خطورة بالنسبة لي كإمرأة سمراء بأصول مختلطة عربية وافريقية، هناك النظرة الدونية للعرب المختلطين في عُمان ودول الخليج عموماً. مفهوم "عُماني أصلي"، أو "قحي" بمعنى العُماني الذي ظل في عُمان ولم يهاجر ولم يختلط بأعراق أخرى كان مؤثراً علي كطفلة صغيرة ومراهقة بدأت بالإنفتاح على العالم. كمية "النكات" التي سمعتها والمرتبطة ببشرتي السمراء وشعري المجعد ولهجتي "الزنجبارية"* لا تُحصى. بسبب هذا الأمر، كنتُ أرغب دوماً بالتشبه ب"العُمانيين الأصليين" بدلاً من اعتناق هويتي المختلطة، وربما أيضاً لنفس السبب لم أسعى إلى تعلم اللغة السواحيلية، وأنا نادمة حقاً على ذلك اليوم.

أكتب كل هذا ليس دعوة للنساء باعتناق شعرهن المجعد، وليس رفضاً للنساء اللاتي يخترن تمليس شعرهن، فكلا الخيارين في النهاية أمر شخصي. بل أكتب كل هذا لأنني ذهبت البارحة برفقة صديقتي كيتكي إلى حفلة روك، حيث كان زوجها مطبل الفرقة، وكنتُ سعيدة أيما سعادة بشعري المجعد، المحتضن لوجهي، والكبير، والآفرو، والإفريقي. كنتُ سعيدة بأن شعري مختلف عن 95% من الحضور، وأني أمتلك ميزة تربطني بهويتي وأصولي. كنتُ سعيدة لأني آمنت أخيراً بجمال وجاذبية شعري.


* مقال سينثيا روبينسون في مجلة هاورد لعلوم الإتصال، المعنون "الشعر كمؤشر للعرق: لماذا "الشعر الجيد" قد يكون سيئاً للنساء السود"، عام 2011، مجلد 22، العدد الرابع.

* بالمناسبة، كلمة "زنجباري" للدلالة على العمانيين الذين هاجروا إلى وسط شرق إفريقيا وتزاوجوا مع السكُان الأفارقة المحليين، ثم عادوا إلى عُمان بعد تولي السلطان قابوس الحكم، كلمة غير دقيقة أبداً. فهي توحي أن زنجبار هي الدولة الوحيدة التي هاجر إليها العمانيون، في حين أنهم هاجروا إلى دول مختلفة كبروندي ورواندا وكينيا، ولكن هذا موضوع آخر وربما له حديث مستقبلاَ. موضوع اللهجة أيضاً موضوع شيق ومثير للتحقيق.

نقد السعادة


من أجمل النقاشات التي شاركت فيها مؤخراً كان حول هذا الكتاب البديع الذي قرأناه لمقرر "نصوص ونظريات نسوية".

يأخذ كتاب "وعد السعادة" لسارة أحمد مفهوم السعادة لا ليعرَفه، بل ليفهم كيف يعمل ويؤثر على ايديولوجيات رأسمالية وذكورية. تسأل أحمد في مقدمة الكتاب "لماذا اخترت مفهوم السعادة ولماذا الآن؟" وتجاوب بسرد مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية نحو السعادة، من قبيل خطابات المساعدة الذاتية التي تعدد طرق تحقيق السعادة في مجال علم النفس الإيجابي والقراءات - الاستشراقية في كثير من الأحيان -  للفلسفات الشرقية مثل البوذية. يُشار إلى السعادة كصناعة وكمنتج، بحيث أصبحت الحكومات حول العالم تباهي بـ"سعادة السكان" حسب المؤشرات الاقتصادية المختلفة واستبيانات قياس السعادة – هل يمكن للمشاعر أن تُقاس؟

في الفصول اللاحقة للكتاب، تحلل أحمد صورة "دخيل العاطفة" – هؤلاء الذين تحدوا الصورة التقليدية للسعادة بوصفها أداة للتسلط الاجتماعي وانتقدوا فكرة أن السعادة هي الهدف الأعظم للحياة. على سبيل المثال، في الفصل الثاني من الكتاب، تأخذ أحمد صورة "ربة المنزل السعيدة" وتحللها عبر قراءات مختلفة لنصوص أدبية مثل رواية فرجينيا وولف "السيدة دالاوي" ورواية "إميل" لجان جاك روسو. تؤكد أحمد أن صورة "ربة المنزل السعيدة" هي صورة خيالية تمحي أثار العمل المضني الذي تقوم به النساء في المنزل وتستبدله بفكرة السعادة. أن نؤكد بأن النساء سعيدات وأن هذه السعادة قادمة من عملهن في المنزل كربات بيوت وكأمهات يبرر وضع العمل المنزلي تحت عاتق النساء فقط، أو مثلما تقول أحمد "يؤكد جندرة أنواع معينة من العمل"، ليس ذلك فحسب، بل هو يؤكد أيضاً أن هذه رغبة وأمنية جماعية لأنه جالب للسعادة. حين تنبه النسويات على مثل هذه الأمور، يوصفن بأنهن غير سعيدات، وبذلك تصبح عدم سعادة النسويات هي المشكلة وليس حالات الظلم والعنف والتسلط. وبالمثل، هناك الصورة النمطية للمرأة السوداء الغاضبة، نراها كثيراً في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، ويصبح الغضب/عدم السعادة محل التركيز بدلاً من الاهتمام للقضايا التي تدعو للغضب مثل قضايا العنف ضد النساء السود أو العنصرية أو انخفاض الأجور بالمقارنة مع الرجل الأبيض.  

في الفصل الرابع، تحلل أحمد صورة المهاجر الميلانخولي أو الكئيب الذي لا ينسى بلاده وأصوله فيصبح حنينه نحو الوطن قاتلاً للسعادة ومضاداً للاندماج مع البلد المهاجر إليه. أما المهاجر السعيد والمثالي فهو المهاجر الذي ينسى بلاده ويمتص ويتشرب عادات وقوانين البلد الجديد. تذكرتُ مع قراءتي لهذا الفصل حملة كوكاكولا في الإمارات العربية المتحدة قبل عدة أعوام، حملة "مرحبا أيتها السعادة". استهدفت الحملة العمّال الآسيويين في دبي، حيث ركّبت أكشاك هواتف في مختلف المناطق السكنية التي يعيش فيها هؤلاء العمال. الفكرة كالتالي: مع كل قنينة كوكاكولا، يستطيع الوافد أن يستخدم الغطاء كعملة نقدية، بحيث يدخلها في الماكينة ويدخل الرقم الذي يرغب بالإتصال به، ويصبح في رصيده ثلاث دقائق للمكالمة. بالطبع، نرى في الإعلان سعادة العمّال ومدى انتشائهم بالحديث مع عائلاتهم. المهاجر السعيد هو الذي ينسى كل ظروف العمل القاهرة مثل مصادرة الجوازات، وأجور منخفضة، وعقود عمل ظالمة، ويفرح باتصال مدته ثلاث دقائق فقط بسعر قنينة كوكاكولا. ينهي الإعلان بشعار - أقل ما أقول عنه أنه سخيف - "السعادة تكمن في كوكاكولا واتصال للوطن"، وسأقول على ضوء ما قرأت في هذا الكتاب: بل يجب علينا الدفع نحو عقود عمل منصفة وظروف عمل آمنة بدلاً من أن نستخدم السعادة كأداة تطبيع للظلم الواقع عليهم. هذا الدفع نحو مفهوم ملتبس ومبهم كالسعادة على حساب العدالة والإنصاف هو بالضبط ما تنتقده أحمد، ولذلك تدعو في نهاية الكتاب إلى "قتل السعادة" لأن ذلك يؤدي إلى "الانفتاح على الحياة، وإفساح المجال لاحتمالات وفرص عدة".

نقد مصطلح التسامح


أقرأ هذا الكتاب حالياً لدواعي بحثية، وعلى الرغم من أنه يتحدث عن الولايات الأمريكية بشكل خاص، إلا أنه لا يسعني إلا أن أتساءل عن إمكانية تطبيق ما تناقشه الكاتبة المنظّرة السياسية ويندي براون على عُمان والخليج، بالطبع مع التأطير وفهم السياق.

تناقش براون مفهوم التسامح كأداة للإمبراطورية والسيطرة السياسية، مع دراسة حالة قضايا عديدة مثل حملات حقوق المثليين، حملة الحرب على الإرهاب بعد سبتمبر ١١، والحرب على العراق، وغيرهم. التسامح، من وجهة نظرها، لا يعني التأييد، بل يعني الموافقة المشروطة لما هو غير مرغوب ومنحرف. بالرغم من أن التسامح يُقدم كبديل للعنف، إلا أنه يمكن أيضاً أن يكون مسوغاً للعنف، مثل في حالة الحرب على الإرهاب والتفرقة بين الغرب المتحضر والشرق الإسلامي البربري. كما أن التسامح كمفهوم سياسي وخطاب سلطوي لا يفرق بين، مثلاً، اليمين المتطرف وحقوق الأقليات - كلاهما يرغبان ويلوحان به.

سؤال محرّض: حين ندّعي أن عُمان بلد التسامح - لأن مثلاً "السني والإباضي والشيعي يصلوا جنب بعض في المسجد" - ماذا بالضبط نعني بذلك؟ حقوق ومواطنة متساوية؟ أم هو "تفق برزة"؟ :)

هذا كتاب استفزازي بشكل رائع.

الوطنية الشوفينية

المشكلة ليست في "الثقة الفارطة" لنعيمة، أو في عرضها لروتينها الرياضي في الجيم، كما أن المشكلة ليست في نظرة الشباب المدعوين للحديث في حلقة سوار شعيب عن نعيمة. بل المشكلة تكمن في ايديولوجية الوطنية الشوفينية التي ترى أنه يجب على كل سكان البلد - ما يقارب الثلاثة ملايين - ان يتقيدوا بعادات وتقاليد عائمة ومبهمة وأن يتقيدوا بأخلاق فرضت عليهم من قبل ثلة من الذكوريين الأصوليين. فكرة "لا تمثل الشعب العماني" في أساسها فكرة شوفينية ماحية لكل الاختلافات العرقية واللغوية والجندرية والسياسية والثقافية.

المضحك أن الحلقة معنونة بالأخلاق وبها مجموعة من الرجال يحدقون في فيديوهات لنعيمة وهي تُمارس الرياضة ويضحكون على صفة "الفاشينيستا" ويؤكدون أنها لا تمثل الشعب العُماني في حين أنهم يفاخرون بأن المرأة العمانية لها حقوقها وتستطيع أن تمتلك أرضاً وبيتاً في خلال "سنة" ههههههه

مشكلة التنميط والمثالية الزائفة، حتى لو كان تنميطاً إيجابياً من قبيل: "شعب عمان طيب ومتسامح ويصلوا جنب بعض" أنه يؤدي إلى تبسيط لمشاكل البلد الحقيقية واختزال للشعب العماني في شخصية مثالية كرتونية غير واقعية.

حلقة سوار شعيب عن عُمان كاملة:
https://youtu.be/WqrSevSy2xc 

وفي نهاية قولي هذا أدعوكم إلى ترديد أذكار الصباح والمساء المرفقة في الصورة أدناه


الرومانسية البائسة





شد نظري مقالة مكتوبة باللغة الإنجليزية بعنوان "ابقي عزباء إلى أن تجدي رجلاً بهذه المواصفات"، وأبديت استغرابي من المواصفات العجائبية المذكورة في المقال، إلى حد أني كنت أنتظر قراءة جملة ما توحي بأنه مقال ساخر. ولكن لا، كان مقالاً جاداً جداً. إن كن النساء يؤمن حقاً بتلك المعايير، فالسلام على العلاقات العاطفية الصحية والخالية من الإحباطات المتكررة.

أولاً، المعايير المذكورة في المقال معايير هترو-نورماتيڤ (أو حسب ترجمة ويكيبيديا: معيارية المغايرة) بمعنى أنهم معايير يؤدون إلى تطبيع الأدوار الجندرية بين كلا من الرجل والمرأة، فيصبح دفع الفواتير وإصلاح العطل الكهربائية أفعالاً خاصة بالرجل وحده، ويصبح الطبخ والتنظيف والاهتمام المستمر أدواراً خاصة بالمرأة وحدها. هترو-نورماتيڤ يعني أيضاً حصر العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة فقط، في حين أن العلم الحديث والمجتمعات المتغيرة والأعراف المختلفة أصبحوا يرحبون بمختلف الأنواع من العلاقات. من "النصائح" المذكورة في المقال: "ابقي عزباء إلى أن تجدي الرجل الذي يفتح لك كل الأبواب"، و"ابقي عزباء إلى أن تجدي الرجل الذي يدفع لك الفاتورة ولا يجعلك تمسين محفظتك". في كثير من الأحيان ترحب النساء بمثل هذه المعايير، ولا تقبل لهم بديلاً، وذلك بداعي الرومانسية، ولكني أرى أن مثل هذه المعايير تؤكد على الأدوار التقليدية بين الرجل والمرأة، وهذا بدوره يصبح أكبر عائق لأحلام النساء والرجال الذين يريدون التغيير وكسر القوالب الجاهزة لدورهم في الحياة. ماذا لو فتحت المرأة الباب للرجل؟ وماذا لو كان منصبها الوظيفي يدر مالاً أكثر عنه وبالتالي هي تريد أن تدفع الفاتورة؟ ماذا لو فضّل الرجل البقاء في المنزل وطبخ الطعام؟

ثانياً، هي معايير حالمة جداً ولا تمت للعالم الواقعي بصلة. أن تتوقع المرأة من الرجل أن يترك كل ما في يده لأجل مساعدتها في شيء ما، وأن يرسل لها الزهور دوماً بمناسبة وغير مناسبة، وأن يرد على رسائلها في نفس اللحظة - كل ذلك يعني أن هذه المرأة تتوقع من شريكها هذا أن يكون شريكها فحسب، أي أنه لا يمتلك دوراً في الحياة غير ذلك. بالإضافة إلى كون هذه الأفكار غير واقعية البتة، فهي أيضاً أفكار خطيرة إذ أنها تجعل سقف التوقعات عالية جداً مما يؤدي إلى الإحباطات المتكررة في أي علاقة. لا بأس بقليل من الرومانسية بين كل فترة وأخرى - ولا يجب أن يكون دوماً من طرف الرجل - ولكن لا أحد لديه الوقت أو الطاقة أن يستثمر في شريكه إلى هذا الحد المتكلف.

وهذا بالطبع من غير الخوض في الآثار الأخرى التي تنتج من مثل هذه الأفكار، مثل حب التملك والغيرة الشديدة والإحساس بالنقصان وعدم الأمان طوال الوقت. بحث بسيط وسريع عبر محرك جوجل للصور باستخدام كلمات مثل "رومانسية، حب، هيام" أعطاني هذه الصور الكارثية والمضحكة في آن!

إن كنُت أؤمن بهذه النسخة الحالمة من الرجال، أو كنتُ أنتظر رجلاً كهذا، لعشتُ بقية حياتي في بؤس، وأنا لا أنوي فعل ذلك أبداً.

- منشور فيسبوكي بتاريخ يوليو، 2017

قضية ريهام سعيد وسمية (فتاة المول)

المشكلة الأساسية في قضية ريهام سعيد وسمية (فتاة المول) ليست مشكلة انعدام عاطفة ريهام وقلة أخلاقها وقدرتها التي لا تصدق على سرقة صور فتاة وفضحها أمام العالم، فقد علمتنا هذه الحياة أن شرور الناس لا تنتهي وستستمر مع استمرار الحياة.. ولكن المشكلة الأساسية هي ما تُسمى بـ"ثقافة الإغتصاب"..
ثقافة الإغتصاب تعني، من بين عدة أشياء، جعل التحرش والإغتصاب فعلاً طبيعياً وسوياً، وهذا لا يعني بكل تأكيد أن هذه الثقافة تشجع الإغتصاب بشكل ظاهري وصارخ وتدعو إليه، ولا يعني أننا نشترك بشكل جماعي في العنف الجنسي، بل يعني أن الإغتصاب والتحرش الجنسي أصبح معذوراً أو متحملاً أو مهملاً أو حتى قليل الأهمية بحيث يتم سرد النكات حوله، وهذا كله بسبب انطباعاتنا المغروسة فينا منذ الصغر عن الجنس والجنسانية. من أهم مظاهر ثقافة الإغتصاب هو لوم الضحية بدلاً من الجاني، بسرد أعذار واهية مثل: "ما حد قالها تروح المهرجان"، "كانت لابسة أحمر وضيق"، "ليش تحضري مباريات كرة؟"، "شوفوها تمشي بميوعة"، "المكياج مرة ثقيل"، "أصلاً هي تشرب وتروح بارات"، "ليش طالعة متأخر في الليل؟" وغيرها من الأقوال التي تعفي الجاني والمغتصب والمتحرش من إرتكابه للجرم وتلوم الضحية على أفعالها.

هنا مجموعة تعليقات جمعتها من الفيديوهات التي تتحدث عن قضية ريهام سعيد وسمية في بحث لم يأخذ أكثر من خمس دقائق، لأبين مدى تفشي هذه الثقافة:

- البنت دي [يقصد الفتاة التي تم التحرش بها] برضو شكلها أصلاً زبالة وعاملة نفسها بنت ناس
- دى بت تستاهل الى يحصل فيها دين ام شكلها بتقول انها شمال
- اما يكون بلطجي كل اللي حصل عادي وطبيعي
-  والله ريهام سعيد محترمه جداً والبنت عاااااهره بامتياز تبغى اي احد يتحرش فيها وخلاص هههههههههه يبدو كانت فايره مررره ولحقت المسكين الرجال. الله يفضحك اكثر واكثر يا منحطه اتفووووووو
- انتوا ليه متعاطفين مع سميه دي باين عليها قويه ومفتريه شوفوا اسلوبها وهي تتكلم واصلا مالو داعي تطلع في برنامج عشان قصة مول اي بنت تتعرض لها وبنت الناس هي اللي تطنش وخلاص تمشي يمين مو تروح تفضح نفسها وتعمل قصه

قد يقول أحدهم أن هذه التعليقات تعبر عن رأي أصحابها فقط وأن معظم الناس لا يفكرون هكذا، ولكن الأمر لا يقتصر فقط على مجموعة تعليقات في اليوتيوب بل يتعدى ذلك إلى ممارسات يومية. لكم أن تتخيلوا كم البوسترات والنكات والكاريكاتيرات التي تتحدث عن عفة الفتاة وعن ضرورة لبسها للعباءة وعن الرجال الذئاب.. الخ الخ!

أسرد هذا الكاريكاتير المنشور في صحفنا على وجه المثال ولست أقصد شخصنة الموضوع أو النيل من الراسم.
لو تصورت الفتاة مع المشاهير، لو لبست القصير، لو شربت، لو فعلت ما لا يقبل به دينك وعرفك، فذلك كله لا يعني أنها ستقبل بالتحرش.


أخلاق رأسمالية


مقتطفات من كتاب Egypt in the Future Tense: Hope, Frustration, and Ambivalence before and after 2011، للكاتب الانثروبولوجي ساميولي شيلكه، تحديداً من الفصل المعنون "أخلاق رأسمالية؟". 

منذ السبعينات تحول الاقتصاد المصري من اقتصاد مبني على دولة قومية بميول إشتراكية، إلى اقتصاد رأسمالي بمنحى عالمي وإيحاءات دينية. 

إحدى ميزات الرأسمالية التي جعلتها ناجحة وديناميكية حول العالم (بالإضافة إلى بالطبع قدرتها الاستثنائية على توليد وإعادة استثمار الفائض) هو قدرتها المزدوجة على تكوين قيمة محايدة من التكنولوجيا ومن ثم حشوها بمحتوى أخلاقي. وقد روجت الرأسمالية لنظام أخلاقي يمنح الامتياز لقيم يجب اعتبارها سمات أساسية للإنسان الفاضل، مثل الابتكار، والمبادرة، والمسؤولية الفردية، والمتعة، والمنافسة، والنجاح، والحرية؛ ما يجعل من الرأسمالية والصحوة الدينية حلفاء طبيعيين.

يمكننا تتبع صدى التشابه بين الأرباح النقدية للرأسمالية ومنهج تجميع الحسنات للحياة الأخروية في الصحوة الإسلامية.

لنأخذ على وجه المثال الأدعية القصيرة التي انتشرت على الانترنت في مطلع الألفية الثانية والتي تحمل في طياتها وعودا بـ"جبال من الحسنات" لمن يقرأها ويرسلها للناس ويدعوهم لقراءتها. هذه العبادة النفعية التي تسهل نيل الحسنات شائعة جداً؛ تجمع بين الاهتمام بالحسنات والعقاب للحياة الآخروية وبين الاهتمام بالأرباح والنجاح والاستهلاك في الحياة الدنيوية.

تتحدث ليلى، وهي أول من نبهني على هذا التشابه بين الدين والرأسمالية، عن زميلها في العمل الذي يذهب للصلاة في أبعد مسجد - بدلاً عن الصلاة في مقر العمل - لأنه يؤمن أن كل خطوة بحسنة ولذا يريد الزيادة من عدد خطواته لتكثر حسناته، وتقول أنه يعامل الدين مثل معاملته للعمل، فنحن نفكر "كم أنجزت خلال ساعة عمل؟" وهو يفكر: "كم من الحسنات جمعت؟"، إذ تتقلص حياته كلها أمام تجميع الأرباح للحياة الأخروية. إنه يفكر في الدين بطريقة رأسمالية تماماً.

تقدم الرأسمالية أقوى يوتوبيا اجتماعية في عصرنا. فهي تدعي القدرة على توفير الاكتفاء متمثلاً في السلع المادية والخدمات، والمشكلة في هذا الإدعاء لا يكمن فقط في اللامساواة وإنما أيضاً في مراوغته الزمنية، إذ أن هذا الاكتفاء مرتبط بالديون والاستثمار والرغبة المستمرة في التوسع.

هذا القلق والرغبة في النجاح متصل أيضاً بالقلق الديني والرغبة في السعادة الأخروية. ويرى شيلكه أن الخوف من الله ليس فقط خوفاً أخلاقياً ورغبة في التمييز بين الخطأ والصواب بل هو أيضاً خوف عاطفي من النقصان المستمر، وهذه سمة مركزية في الرأسمالية والصحوة الدينية والسلطة النيوليبرالية.

----

بترجمتي، بتصرف.
- منشور فيسبوكي بتاريخ أكتوبر، 2015

الاثنين، 31 أكتوبر 2016

"قصة مرعبة أمريكية" وما بعد الحداثة

لعل ظرافة مسلسل "قصة مرعبة أمريكية" المعروض في نِتفلِكس، تكمن في توظيف كافة كليشيهات أفلام الرعب الأمريكية لدرجة فكاهية، وإعتماد أسلوب المحاكاة الساخرة التي تجعل المشاهد يحاول ربط المسلسل بأفلام الرعب الكلاسيكية (من قبيل The Shining, Rosemary's Baby, Halloween إلى آخره)، فمثلاً، مع أول حلقة في الجزء الخامس، يربط المشاهد فوراً بين هذا الجزء وفيلم The Shining لستانلي كوبريك من حيث وجود الفندق المسكون، الممرات الطويلة بالسجاد الأحمر، الطفلين الأشقرين في الممرات، وغيرهم من الدلائل، وأيضاً في الجزء الأول: وجود شخصية مساعدة المنزل التي تظهر وكأنها شابة جميلة ومثيرة ولكنها في الحقيقة عجوز شمطاء. هذه المعارضة السينمائية التي تعتمد على تركيب عدة مشاهد وأنماط من أعمال سابقة هي إحدى سمات الأسلوب ما بعد الحداثي في السينما، وفيه تنحسر اللمسة الشخصية للمخرج أو الممثل ويصبح التقليد الفكاهي بديلاً ملائماً.

عامل الظرافة يأتي أيضاً حين يتم إدخال عوامل تفكك التركيبة المألوفة لأفلام الرعب الأمريكية ومن ثم تعيد بناءها حسب مقاييس مختلفة، ومن ذلك مثلاً توظيف الموسيقى في المسلسل. قلما نشاهد فيلم رعب يوظف موسيقى راب حديثة، مثلما يرقص ويل دريك مع أغنية المغني الأمريكي الشهير دريك "هوتلاين بلينغ" في أحد المشاهد المسلية - لاحظوا أيضاً أن اسم الشخصية مماثل لاسم المغني. وفيما عدا ذلك، قلما أيضاَ نشاهد توظيف فكاهي لوسائل التواصل الإجتماعي في أفلام الرعب. أكاد أزعم أن استخدام هذه الوسائل يكاد يكون غير موجود في أفلام الرعب التقليدية.

- تحذير (سبويلر آلِرت - ما كان فيني أبحث عن ترجمة ملائمة لهالكلمة) الفقرة التالية تتحدث عن الحلقة الأخيرة من الجزء الخامس بشكل خاص، مفترضة أن القارئ شاهد الحلقة -

المثال الأبرز، في وجهة نظري، لهذه العوامل الدخيلة هي في حكاية الشخصية البديعة سالي ماكينا، والتي تمثل دور شبح ومدمنة مخدرات ومتعطشة - إلى درجة اليأس - لحياة عاطفية سعيدة. تعاني سالي من توق حاد إلى الاهتمام والعناية من الآخرين (الرجال على وجه خاص)، وهي لذلك تكون كثيرة التشبث بمن يدعوه حظه البائس بأن يصبح شريكها، مما يستدعيهم في النهاية لهجرها، وذلك بدوره ساهم في تكوين عقدة هجران لدى سالي. مثال على ذلك هو حين تفرض سالي في أحد المشاهد رجلاً على الإفصاح بحبه لها وإلا سوف تقتله، وفي محاولة يائسة للنجاة، يتفوه الرجل بكلمات الحب لإمرأة يرآها لأول مرة! في الحلقة الأخيرة للمسلسل، ونتيجة لهجران شريكها الذي أحبته، تقع سالي في منحدر اليأس والكآبة بشكل أكثر حدية من السابق مما يجعلها تستأنس بقتل ساكني الفندق كوسيلة لتقضية الوقت. آيريس، صاحبة الفندق، ترى أن ذلك يسيئ لسمعة الفندق، وتشتري جهاز آيفون لسالي وتقنعها أن هذا الجهاز سوف يساعدها على التخلص من عقدة الهجران واليأس التي تعاني منها! تقول آيريس: "في عصرنا الحديث، لا أحد يجب أن يعاني من الوحدة أبداً، ولو لثانية!". في مشهد بديع وفكاهي إلى أبعد حد، نرى شخصية سالي التي عهدناها حزينة وباكية طوال الجزء الخامس وكأنها انبعثت للتو من ميتة طويلة - وهي، أذكركم، شبح ميت منذ زمن طويل - بعدما اقتنت هذا الجهاز الفاتن وحمّلت كافة برامج التواصل الإجتماعي من سناب تشات وإنستغرام إلى فيسبوك وتويتر. تركت إدمانها للمخدرات ورمت الإبرة التي كانت تستعملها من النافذة وأصبحت مدمنة وسائل التواصل الإجتماعي وأصبح لديها عدد هائل من المتابعين و"المهتمين" بصحتها وأمورها وحياتها الخاصة. وهكذا تحولت سالي من الشبح المرعب ذو العينين الباكيتين الذي يطارد الرجال إلى "فاشينستا" و"بلوغر" ونجمة وسائل التواصل الإجتماعي.

كون سالي "شبح بداخل آلة"، حرفياً، هو تقليد ساخر لفكرة الأشباح المخيفة في أفلام الرعب الاعتيادية. لعلها ليست المرة الأولى التي يتم فيها دمج الأشباح بالتكنولوجيا في أفلام الرعب (أستحضر مثلاً فيلم "الخاتم" الذي يصور بتكرار مشهد خروج الشبح من التلفاز)، ولكنها حتماً من المرات القليلة التي تصور هذا الدمج بفكاهية وسخرية مدهشتين - مما يجعل مشاهدة هذا المسلسل تسلية مضاعفة.


الاثنين، 4 يوليو 2016

(موضوع فيسبوكي) النسوية والليبروفاشية

عن الرجال اللي يفرضوا على المرأة معاييرهم الليبرالية أو العلمانية أو المدري-شو-إيّه من الأيديولوجيات اليسارية المختلفة... أود ممارسة ما يسمى بالنقد المزدوج، إذ أعتبر نفسي أيضاً ممن يميلون لليسار، ولكن بعض ما يُقال يثير حفيظتي واستنكاري، ولذا أكتب هذا الموضوع القصير. بالطبع، نفس النقد ينطبق على الرجال اللي يفرضوا معاييرهم الدينية على المرأة، اللي من قبيل "لو لبستي كيت وكات إنتي غير محتشمة"، "لو ضحكتي بصوت عالي إنت قليلة أدب"، والخ... ولكن هذا الموضوع كثر الكلام عنه فسوف أتجاوزه.

هنالك فئة من الرجال يدعوا أن ما يمارسونه من إقصاء بحق النساء قادم من إيمانهم بالنسوية وبحرية المرأة ومساواتها مع الرجل، وأنا أحب أن أقول لهم أن فهمهم للنسوية والحريّة يتناقض مع أبسط المبادئ التي تنادي لها النسوية.

بعضٌ من الأمثلة، مما قرأت ومما سمعت:

"إنت مش أنثى لو ما تدخني وتشيشي وتشربي"
"شو عرفك بالأنوثة لو ما مارستي الجنس على الأقل مع خمسة رجال؟"
"عار عليك كلمة ثقافة وكلمة امرأة لو ما تمارسي الجنس"
"لازم تشيلي الحجاب والعباية ومرة وحدة تلبسي بيكيني لو بغيتي تكوني امرأة حقيقية"
"تزوجتي أول رجل طرق باب بيتك؟ تف عليكي وعلى انخضاعك للمجتمع"

مثل هذا النوع من التعليقات، وما يشابههم من تعليقات قد تكون أقل حدية ولكنها في نفس الإتجاه، إقصائية ومسيئة للمرأة لعدة أسباب، مثل:

أولاً: من أهم صفات النسوية هو الاحتواء. Inclusivity.

مثل ما نحتوي اللاتي يدخن ويشربن ويمارسن الجنس، ونؤمن بحقهن في الاختيار وحقهن في عيش حياة طبيعية بلا وسمهن بالعار والخزي وبلا ملاحقتهن أخلاقياً وقانونياً، نحتوي كذلك اللاتي لا يردن فعل كل هذه الأمور ونؤمن أيضاً بحقهن في الاختيار من غير وسمهن بالنقص وقلة الأنوثة والسذاجة. الاحتواء يا سادة يعني احترام رغبة المرأة مهما شفنا انها متأثرة بأيديولوجية دينية أو مجتمعية أو ثورية أو ماركسية. يعني اتركونا في حالنا نسوي اللي نريده من غير توصيات وإقصاءات وعاملونا كنساء لنا عقول تستطيع الحكم على الأمور بمفردها!

ثانياً: أحد المفاهيم المنتشرة في الثقافة النسوية هو مفهوم النظرة الإيجابية تجاه الجنس. Sex positivity. بشكل مبسط، يعني هذا المفهوم عدم إضفاء صفة اللاأخلاقية على الجنس ومعاملته كأي حاجة غريزية وعضوية أخرى وعدم وسم المرأة أو الرجل الذين يمارسون الجنس خارج منظومة الزواج بالعهر والخزي. هذا الموضوع مهم في بلادنا العربية بسبب قضايا الشرف، وقضايا الابتزاز الجنسي والمالي، وقضايا الإجهاض التي تُمارس بغير إشراف الأطباء، وقضايا فحوص العذرية والى آخره من قضايا يشيب لها الرأس. منبت هذه القضايا كلها هو النظرة السلبية تجاه الجنس. هذه الفكرة تقتضي بالضرورة أيضاً إلحاقها بتوعية جنسية عن الأمراض التناسلية وعن الحمل وعن الجنس الآمن وعن إعطاء القبول والموافقة (وهو ما يعرف في الانجليزية بال consensual sex، أي ضد الاغتصاب). عموماً، عودة للموضوع بعد هذا الانحراف البسيط، هؤلاء الرجال على الأغلب يؤمنون بفكرة عدم وسم المرأة التي تُمارس الجنس خارج منظومة الزواج بالعهر، ولذا يدعون (وفي بعض الأحيان يفرضون على) المرأة ممارسة الجنس بحرية، ولكن هنالك عنصر ناقص في الصورة: هذا المفهوم له معنى أعمق من الظاهر، هذا المفهوم يعني أيضاً احترام حقوق الناس غير المهتمة بالجنس، أو التي لا ترغب به، أو التي لا ترى فيه متعة، أو التي ترفض ممارسته لأسباب دينية أو مجتمعية أو مرضية أو حتى مزاجية! أن نملي على المرأة ما يجب أن تفعله بجسدها سواء كان بكشفه أو تغطيته يعبر عن رغبة في السيطرة والتسلط. هذه الاقصاءات مهينة لفئة كبيرة من الناس ومهينة لمبدأ الحرية الذي نتغنى به.

ثالثاً: hyper-sexualization of women

نظرة هؤلاء الرجال الذين يكتبون مثل هذه التعليقات نحو المرأة لا تفرق كثيراً عن كلام شيخ الدين الذي يتوعد الرجال المقبلين على الجهاد بسبعين حورية عذراء في الجنة ونعيم جنسي منقطع النظير. الطرفين يعاني من الجنسنة المبالغة للمرأة، والنظرة لها على أنها كائن جنسي وجد لمتعتهم وإشباع رغباتهم. هذا متجلي أيضاً في كثير من الإعلانات الغربية، فنرى إعلان عن سندويشة برجر على سبيل المثال والوجه الرئيسي في الإعلان إمرأة على الشاطئ بالبيكيني تأكل السنوديشة بكثير من الإغراء الجنسي المبالغ به، وكأنها أصبحت تساوي قطعة البرجر تلك في لذتها. للرجل الحق في أن يكون نشط جنسياً، وحتى أن يتباهى بذلك، ولكن ليس له الحق أبداً في أن يفرض معاييره على النساء لدرجة معاملتهن كأدوات جنسية فقط.

بالمختصر، وهذه ترجمة غير مباشرة للصورة أدناه، الاحتشام يمكن أن يكون مصدر قوة لبعض النساء، التعري أيضاً يمكن أن يكون مصدر قوة لنساء أخريات، وكذلك الأمر بالنسبة للجنس والشرب وعدم ممارستهما، وليس من حق أي أحد أن يملي على المرأة أي الطريقين تختار! مثل هذه الإقصاءات - التي سماها أحد الأصدقاء بالليبروفاشية - تساهم في نزع حق الاختيار من المرأة وتعاملها كأنها كائن لا يعقل ولا يمكنه الحكم على الأمور بنفسه، وهذا بأقل تقدير أمر مشين ومهين ولا يجب أن يحدث.


الخميس، 7 مايو 2015

عن السينما الثالثة


تحدثت الحلقة العاشرة من مسلسل "قصة الأفلام: أوديسة" عن أهم المخرجين حول العالم في السبعينيات، ومن ضمن ذلك تم ذكر إحدى أهم المقالات السينمائية التنظيرية لسينما العالم الثالث وأفلام ما بعد الاستعمار.
المقالة هي "نحو سينما ثالثة" للكاتبين الأرجنتيين فرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو، وتعتبر المقالة مانيفستو لأفلام العالم الثالث، والسينما اللاتينية بشكل خاص، ولها أثرها أيضاً على السينما الإفريقية وتحديداً على المخرج السنغالي الشهير عثمان سيمبيني. تدعو المقالة إلى سينما مناضلة ومعارضة للإمبرالية الأوروبية والأمريكية بحيث تلعب دوراً أساسياً في الصراع والتحرير الوطني ضد الاستعمار وتمتد لمحاربة الفقر والظلم. يرى سولاناس وجيتينو أن الأفلام الهوليوودية والأوروبية هي عبارة عن أساليب تعبيرية للفردانية البرجوازية فدعو عوضاً عن ذلك إلى سينما سياسية تنهض بالوعي العام. قسموا الأفلام العالمية إلى ثلاثة أقسام: سينما أولى هي سينما التسلية التجارية متمثلة غالباً في هوليوود، وسينما ثانية والتي تعتبر فردانية وتعبيرية وفنية متمثلة غالباً في السينما الأوروبية لمخرجين مثل غودار وبرغمان وفيلليني، وسينما ثالثة وهي سينما سياسية ثورية تتحدث عن الهوية الجمعية لبلدان ما بعد الاستعمار.
وهناك أيضاً مقالة أخرى مهمة غير مذكورة في المسلسل، وهي "جماليات الجوع" لغلوبير روكا والتي دعت إلى سينما 'جائعة وقبيحة' تصور الفقر في الأحياء. هذه السينما يجب أن تكون معيبة تقنياً، وبمشاهد غير متناغمة، وثورية، وشاعرية. يعتبر روكا من أهم المخرجين البرازيليين لحركة "سينما نوفو" والتي صوّرت 'جماليات الجوع' في البرازيل.

للمهتمين بقراءة مقالة سولاناس وجيتينو:
https://ufsinfronteradotcom.files.wordpress.com/2011/05/tercer-cine-getino-solonas-19691.pdf

"تورليس الشاب"

شاهدتُ الفيلم الألماني "تورليس الشاب" للمخرج فولكر شلوندورف صاحب الفيلم الشهير "طبل الصفيح" المقتبس عن رواية غونتر غراس.
يعتبر فيلم "تورليس الشاب" أول فيلم ينتمي لحركة السينما الألمانية الجديدة التي أصبحت في السبعينيات والثمانينات من أهم الحركات السينمائية في العالم، ومن أهم مخرجيها راينر فرنر فاسبيندر وفيرنر هتزوج وفيم فندرز. بداية الحركة كانت عام ١٩٦٢ في مهرجان للأفلام في غرب ألمانيا حيث نادى ٢٦ مخرجاً وناقداً لسينما ألمانية جديدة مختلفة عن "أفلام الأنقاض" التي انتشرت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية والتي صورتها في حالة دمار ومختلفة أيضاً عن السينما الترفيهية التي كانت موجهة للجماهير بهدف نسيان الهزيمة. هؤلاء المخرجون الشباب الذين لم يعاصروا كل ويلات الحرب بل جزء منها ورأوا أن ألمانيا تأثرت بالإمبريالية الأمريكية خصوصاً بعد نهضتها الإقتصادية شعروا بشيء من الغربة السايكولوجية والثقافية وحاولوا لذلك تصوير هذه الغربة في أفلامهم.
أخذاً في الاعتبار هذا التاريخ المهم لفهم أفلام السينما الألمانية الجديدة، يمكن القول أن فيلم "تورليس الشاب" يعتبر استعارة لحالة ألمانيا قبل الحرب. يتحدث الفيلم عن شاب اسمه تورليس في مدرسة داخلية في بدايات القرن العشرين حيث يصادق شابين آخرين. يتميز تورليس بفكر متقد وفلسفة فريدة تجعله مختلفاً ومنعزلاً عن زملائه حيث يفضل التفكير في مسببات الأمور عن المشاركة الفعلية ويشعر بالإشمئزاز من كل ما يجده الآخرون طبيعياً - مثلما كتب في مذكراته. يكتشف زميله أن زميل آخر لهم، اسمه بازيني، سرق منه مبلغاً من المال فيهدده إما أن يخبر مدير المدرسة الصارم والذي سيطرده أو أن ينفذ كل أوامره وطلباته. بالطبع، يفضل بازيني ألا يخبروا مدير المدرسة فيقع ضحية لساديتهم وقسوتهم حيث يعذبونه ويذلونه نفسياً وجسدياً وجنسياً. يبرر زميل تورليس هذه القسوة ويقول: "لكي تتسامى عن هذا العالم، يجب عليك أن تقتل كل ما يجعلك عبداً له. المشاعر على سبيل المثال. سأشعر بالشفقة حتماً حين أعذب بازيني ولكن ذلك غير ملائم لأن بازيني إنسان غير مهم ومن يفعل مثل فعلته لا قيمة له. إذاً الشفقة في هذه الحالة هو شعور غير منطقي، وأنا أنوي قتل كل هذه المشاعر المفرطة بي". تورليس، والذي يشهد تعذيب بازيني من غير مشاركة أو تنديد، مهتم أكثر بالأسباب التي أدت بازيني إلى قبول هذا الذل والأسباب التي جعلت زملائه يستلذوا بالتعذيب. يستخلص تورليس من هذه الحادثة أن ما يبدو صادماً وسادياً وغير منطقي من بعيد يحدث هكذا بكل بساطة وطبيعية وأن الإنسان يجب أن يكون حذراً وعلى يقظة دائمة لكي لا يصبح ضحية للقسوة أو مشاركاً بها.
هذا الفيلم الذي يصور لنا حالة ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى يؤكد أنه لا يمكن الهروب من الماضي، وأن هؤلاء الشباب هم مستقبل ألمانيا، فمنهم المثقف والفيلسوف الصامت الذي يرى الويلات من حوله ويبني نظرياته عليها من غير مشاركة فعلية، ومنهم السادي الذي يريد قتل المشاعرغيرالضرورية فيه، ومنهم أيضاً المهان الذي يفضل قبول الذل عن المقاومة.

Young Törless (1966) by Volker Schlöndorff

أنصح حتماً بمشاهدته. تقييمي ٩/١٠.
وصلة الفيلم على الـ IMDb:

http://www.imdb.com/title/tt0060574/

الأحد، 1 مارس 2015

فيلم "كلوز-أب" أو "عن قرب"



فيلم "كلوز-أب" أو "عن قرب" للمخرج الإيراني القدير عباس كياروستمي من الأفلام القليلة التي تتحدث عن السينما والتي أعجبتني بحق ولامستني بشكل عميق وملهم.
هو فيلم وثائقي يتحدث عن رجل فقير اسمه حسين سابزيان مولع بالسينما وعلى وجه خاص أفلام المخرج الشهير محسن ماخمالباف. كان في الباص يوماً يتصفح سيناريو "راكب الدراجة الهوائية" والذي كتبه ماخمالباف لأجل فيلمه، وجلست بجانبه امرأة سألته عن الكتاب لأنها شاهدت الفيلم هي وابنيها وأعجبهم كثيراً. فقال لها بإمكانك أخذه فقد كتبته أنا، وبدافع الفضول والاستغراب، قالت المرأة هل أنت السيد ماخمالباف؟ فيكذب عليها ويقول نعم.
ومن هنا تبدأ علاقته المزيفة بهذه العائلة الميسورة الحال حيث يزورهم في منزلهم ويدعي أن المنزل مناسب لتصوير فيلمه القادم ويكون علاقة صداقة مع الأبناء الشباب حيث يقنعهم أنهم سيكونون أبطال فيلمه القادم. بعد حوالي أسبوع تكتشف العائلة أنه خدعهم، وتستدعي صحفي يعمل لصحيفة سورش الإيرانية والشرطة التي تعتقله وتودعه السجن لينتظر محاكمته.
يقرأ كياروستمي قصة هذا الرجل عبر صحيفة سورش، ويقرر فوراً وقف عمله الحالي والبدء في تصوير فيلم عنه، فيذهب لزيارة سابزيان في السجن ويسأله عما يستطيع فعله لأجله فيقول: "بإمكانك تصوير فيلم عن معاناتي"، ثم في نهاية اللقاء يوصيه سابزيان بإيصال الرسالة التالية إلى ماخمالباف: "فيلم راكب الدراجة الهوائية جزء مني".
يذهب كياروستمي إلى المحكمة ليطلب إذناً بتصوير جلسة المحاكمة وبتقديم الموعد، فيحصل على ما يريد، ونشهد جلسة المحاكمة الفريدة من نوعها والتي تعرفنا على شخصية سابزيان المهتم بالآداب والفنون والسينما والذي يقتبس في إحدى مشاهد المحكمة من ليو تولستوي دفاعاً عن نفسه! حتى أن كياروستمي نفسه يتدخل أثناء المحاكمة ليسأل سابزيان عن دوافعه ونواياه وحبه للسينما.


المثير والغير اعتيادي في هذا الفيلم الوثائقي هو الدمج بين المشاهد الحقيقية (غير التمثيلية) مثل المحاكمة والمشهد الأخير في الفيلم حين يلتقي سابزيان بماخمالباف - وهو مشهد جليل وعظيم - وإعادة تمثيل المشاهد التي حدثت قبل ذلك من قبل نفس الأشخاص - فمشهد لقاء سابزيان بالسيدة من عائلة آهانخاه في الباص على سبيل المثال هو مشهد تمثيلي. كل الأصالة والإبداع يكمن في هذا الكسر بين التوثيق والتمثيل والذي أدى إلى فيلم مدهش ليس فقط من ناحية الإخراج بل وحتى من ناحية القصة الإنسانية الملهمة التي تغطي مواضيع الهوية والفقر وحب السينما. حلل البعض الفيلم على أنه يرمز إلى أزمة ضياع الهوية الإيرانية والبحث عنها بعد الثورة وإثر الحرب مع العراق، وفي لقاء لاحق مع كياروستمي، لم ينكر أن الفيلم قد يعني ذلك ولكنه ذكر أيضاً أنه لم يكن واعياً بذلك أثناء تصوير الفيلم.

أنهي باقتباس من سابزيان أثناء المحكمة يلخص مدى جمال هذا الفيلم:

"في كل مرة أشعر فيها بالحزن في السجن أتذكر هذه الآية من القرآن "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" ولكني لا أشعر بالسلوى. كلما شعرت بالحزن والقهر أشعر برغبة بالصراخ للعالم حول معاناة روحي وكل العذابات والأحزان التي اختبرتها في حياتي - ولكن لا أحد يريد سماع ذلك. ثم يأتي رجل طيب ويصور كل عذاباتي في أفلامه بحيث أستطيع مشاهدتهم مرة تلو الأخرى، يصور الوجوه الشريرة التي تتلاعب بحياة الآخرين، الأغنياء الذين لا يكترثون لاحتياجات الفقير البسيطة. ولذلك شعرت بالاضطرار للتخفيف عن نفسي عبر قراءة ذلك السيناريو [يقصد سيناريو فيلم "راكب الدراجة الهوائية" لماخمالباف] أقرأه ليطمئن قلبي"




تقييمي 10/10 ، وصلة الفيلم على الـIMDb:
http://www.imdb.com/title/tt0100234/

الأحد، 22 فبراير 2015

روما، المدينة المفتوحة



فيلم "روما، المدينة المفتوحة" للمخرج الإيطالي روبرتو روسيليني من أوائل الأفلام للمدرسة الواقعية الإيطالية الجديدة والذي يحكي قصة المقاومة الإيطالية الشيوعية ضد النازية أثناء الاحتلال الألماني لإيطاليا.
تم تصوير الفيلم بعد أسابيع قليلة من تحرير روما وأتت معظم مشاهده في شوارع روما من غير استخدام استوديوهات تصويرية مجهزة - وذلك بسبب تدميرهم أثناء الحرب - وقد أدى ذلك إلى إبراز الصورة الحقيقية للمدينة والمباني ومشاعر الناس بعد الحرب، كما أن المثير أن روسيليني قام بتصويره كفيلم صامت في البداية ثم قام بدبلجة أصوات الممثلين أثناء عملية المونتاج، وذلك لغرض السرعة في إنتاج الفيلم. يحتوي الطاقم التمثيلي على مجموعة بسيطة محترفة، وأما بقية الممثلين فكلهم غير محترفين - وقد أصبحت هذه الخاصية من أهم خواص المدرسة الواقعية الإيطالية الجديدة بعد هذا الفيلم.
يحكي الفيلم قصة زعيم المقاومة الشيوعية جيورجيو مانفريدي الذي يكتشف الجستابو (الشرطة السرية النازية) مقر إقامته ويقومون بعملية واسعة للبحث عنه، ولكن صديقه فرانشيسكو وخطيبته بينا والقس الكاثوليكي دون بييترو يقومون بمساعدته وإخفاءه - ولكن ذلك لا يستمر طويلاً إذ يتمكن الجستابو من القبض على مانفريدي ودون بييترو، ولن أفسد بقية تفاصيل الفيلم على القارئ الذي قد يرغب بمشاهدته.
رغم أن الفيلم ليس مقتبساً بشكل مباشر عن قصة حقيقية إلا أن الكثير من الأحداث في الفيلم حدثت بالفعل في الواقع، حتى أن من شاهدوا الفيلم حين صدوره عام 1945 ظنوا أنهم يشاهدون تسجيلاً لأحداث حقيقية. تكمن أهميته في كونه تأريخاً مهماً لفترة الاحتلال النازي لايطاليا خصوصاً مع تصويره الواقعي وحسه الوثائقي كما أن مشاهدته مثرية من الناحية السينمائية إذ نرى الإمكانية الواسعة للسينما وهدفها الإنساني الراقي رغم المعدات المحدودة والظروف الصعبة والتحديات العديدة.


تقييمي للفيلم 9\10
وصلة الفيلم على الـ IMDb:
http://www.imdb.com/title/tt0038890/

الأحد، 15 فبراير 2015

المدرعة بوتمكين



بعد الثورة البلشفية في روسيا عام ١٩١٧ بقيادة فلاديمير لينين، كان الإتحاد السوفييتي منشق بين حرب أهلية بين الجيش الأحمر والجيش الأبيض والحرب العالمية الأولى ومجاعات وانهيار اقتصادي. كل ذلك أدى إلى حالة من الفوضى ولذا لجأ القادة البولشفيين إلى طرق مختلفة لجمع الشعب الذي كان أغلبه أمياً ومنقسم إلى عدة لغات مختلفة. من بين أهم الطرق التي اتخذوها هي الأفلام، فهي في النهاية أفلام صامتة ولا تحتاج إلى المعرفة لفهمها (في تلك الفترة طبعاً)، حتى أن لينين قال: "السينما بالنسبة لنا هي أهم نوع من الفنون". ذلك أدى بالطبع إلى إنتاج عدد كبير من أفلام البروباجاندا لعل من أهمها وأبرزها فيلم "المدرعة بوتمكين" والذي بالإضافة إلى اعتباره فيلم بروباجاندا فهو أيضاً من الأفلام الرائدة في المونتاج السينمائي. من أشهر المقاطع في الفيلم هو مقطع "مدرجات أوديسا":
http://youtu.be/laJ_1P-Py2k

مقطع ثوري في الإنتاج السينمائي من نواحي مختلفة. سيرجي آيزنستاين من أهم المخرجين السوفيتيين من المدرسة البنيوية السينمائية والمهتمة بالمونتاج بشكل خاص. مشاهدة الفيلم ضرورة لكل عاشق سينمائي.

الخميس، 29 يناير 2015

مقتطف من فيلم "أنا كوبا" وهواجس أخرى

لستُ متأكدة إن كان صمتي عن المآسي العربية خير أو شر.
أعيش معضلة حقيقية بشأن جدوى الكلمات، علاقة حب وكراهية في آن. ففي أقصى الطرف المحب، يهيأ لي أن الكلمات هي الجوهر والحل والحقيقة، وعلى الطرف الآخر أتخيل أنها مجرد أحرف مبعثرة لا توقف قنبلة أو تنقذ حياة. كلما هممت بكتابة شيء ما، أو وصف هول المجازر، أو شرح حالتي الشعورية الغاضبة والحزينة، أتوقف في المنتصف ليباغتني السؤال ساخراً مني ومن قلمي، وكلما ابتعدت عن القلم أتاني راكضاً ولاهثاً في ذهني يغذيه بتخيلات حالمة عن جدواه وقدرته.
قرأت اليوم تعليقاً لإحداهن، تقول فيما معناه أن دموع الأطفال قد أثقلت الأرض، وجعلتها تحوقل وتتحسب على كل متخاذل وجبان، وأتسائل، هل تكفي فعلاً إعلانات التضامن ونشر صور القتلى؟ ألا نعتبر نحن أيضاً متخاذلون؟

أتذكر اقتباساً أنقله من أحد أجمل الأفلام التي شاهدتها، "أنا كوبا" للمخرج السوفييتي ميكايل كالوتوزوف.



تقول الراوية، والتي تمثل صوت الوطن:

محدثة أحد المستعمرين:
"أنا كوبا
لماذا تفر هارباً؟ ألم تأتِ هنا لأجل المتعة؟
هيا تفضل، واستمتع!
أليست هذه صورة جميلة؟
لا تشح ببصرك عني. انظر!
أنا كوبا
بالنسبة لك، أنا الكازينو والبار والفندق وبيت الدعارة.
لكن أيادي هؤلاء الأطفال المتسولون والشيوخ هي أنا أيضاً."

محدثة فلاح اختار كرامته وموته على عبوديته:
"أنا كوبا
أحياناً تبدو جذوع نخيلي ممتلئة بالدم
أحياناً تبدو الهمهمات من حولي كغصات الدموع المختنقة وتنهدات البكاء
وليست صوت المحيط
من يجيب نداء الدم؟
من المسؤول عن هذه الدموع؟"

محدثة مجموعة من الطلبة الثوار:
"أنا كوبا
هنالك طريقين للبشر عندما يولدون
طريق العبودية والذي سيتداعى وينتهي
وطريق النجوم الذي يضيء ولكنه يحرق.
وأنت ستختار طريق النجوم
سيكون طريقك صعباً، وعلامته الفارقة الدم
ولكن في سبيل العدالة، عندما يذهب رجل واحد، الآلاف سينهضون
وعندما لا يكون هناك بشر آخرون
ساعتها سينهض الحجر."

محدثة فلاح بسيط اختار أخيراً أن يحمل السلاح:
"أنا كوبا
ربما اعتادت يداك على أدوات الفلاحة
ولكنك الآن تحمل بندقية
أنت لا تطلق النار لتقتل
أنت تطلق النار على الماضي
أنت تطلق النار لتحمي المستقبل"

إذاً تتغير الأسماء والأوطان والحكاية واحدة، لم نحن مصرون على تكرار أخطاء التاريخ؟

____

نُشر في الفيسبوك بتاريخ 14 يوليو 2014

السبت، 24 يناير 2015

فيسبوك - "سنسيت بوليفار"



شاهدتُ قبل عدة أسابيع الفيلم الأمريكي "سنسيت بوليفار" للمخرج بيلي وايلدر، وأعتبره من أجمل الأفلام الهوليوودية الكلاسيكية التي شاهدتها.

ينتمي الفيلم إلى جانرا فيلم نوار والذي ازدهر في هوليوود في فترة الأربعينيات والخمسينيات ويتميز بالحبكة الجرائمية عادة ووجود نموذجي الرجل المحقق والمرأة الجذابة والمدمرة (فيم فاتال)، كما لها خواص محددة في الإضاءة والإنتاج والبنية القصصية.

يبدأ الفيلم بصورة تحتية لرجل ميت في حوض سباحة، مصورة من قاع الحوض، ويحكي لنا الراوي/الميت جو غيليس عن الأحداث التي أدت إلى وفاته بهذه الطريقة!
(بالإمكان مشاهدة افتتاحية الفيلم هنا: https://www.youtube.com/watch?v=HduXGYkoc_w )
وبذلك يعود الفيلم إلى الوراء باستعمال تقنية الفلاش باك ونرى جو غيليس قبل ستة أشهر وهو يعمل ككاتب سيناريو مغمور في هوليوود، ومدان ومطارد من قبل دائنيه الذين هددوه بأخذ سيارته. في إحدى سلسلة المطاردات، يدخل غيليس في محاولة للهرب إلى باحة قصر بدا له لأول وهلة أنه غير مأهول، ولكن يستقبله الخادم ماكس والذي ظن أنه شخص آخر كان يتوقعه ويقوم بتقديمه لسيدة المنزل، نورما ديسموند. يتبين لغيليس أن نورما هي إحدى نجمات هوليوود خلال فترة الأفلام الصامتة. حالما تعلم أنه كاتب سيناريو، تقوم نورما بإجباره على قراءة نص كتبته في محاولة منها للعودة للشاشة الذهبية بعد غياب طويل. يرى غيليس أن هذه قد تكون فرصته لكسب المال وحل مشكلة ديونه فيوافق على مراجعة النص، ولكنه يقع تدريجياً في شباك معقدة من حياة النجمة التي خفت نورها وبهت ولكنها لا تزال تؤمن بحتمية عودتها للشاشة والشهرة وكثرة معجبيها.

يقدم لنا الفيلم صورة ساخرة وتهكمية عن الحياة الهوليوودية وأثرها على الممثلين والمخرجين والعاملين بها، إذ أن نورما ديسموند مفتونة بصورتها في السابق، ولا تشاهد إلا أفلامها هي، وقصرها مليء بصورها، وحين تلوح لها فرصة العودة للشاشة - أو تتوهم هي بذلك - تقوم بمجموعة من عمليات التجميل في محاولة يائسة للعودة إلى ما كانت عليه.
لا يصور لنا الفيلم نوستالجيا الفنانة إلى الزمن القديم والصامت فحسب، بل هو أيضاً يقدم لنا ثلة من المبتكرين والمبدعين خلال فترة الأفلام الصامتة - مشكلاً بذلك معاني مزدوجة من ناحية التمثيل والحقيقة. فعلى سبيل المثال، الممثلة التي أدت دور نورما ديسموند، غلوريا سوانسون، كانت حقاً نجمة خلال فترة الأفلام الصامتة، وشكّل هذا الفيلم عودتها للشاشة بعد غياب طويل، كما أنها تسعى في الفيلم إلى أن تعمل مجدداً مع المخرج الذي عملت معه في السابق سيسل ديميل (والذي أدى دوره سيسل ديميل بنفسه)، وهذا أيضاَ كان مخرجاً مهماً في فترة الأفلام الصامتة وأخرج العديد من الأفلام بتمثيل غلوريا سوانسون. كما أن الذي أدى دور الخادم ماكس، إريك فون شتروهايم، كان مخرجاً مهماً في فترة الأفلام الصامتة. في إحدى الجلسات التي تقيمها نورما ديسموند في قصرها مع زملائها وأصدقائها، نرى ظهور قصير للممثل والمخرج الشهير بستر كيتون إلى جانب عدد من الممثلين المشاهير أيضاً خلال فترة الأفلام الصامتة. كل ذلك أضاف إلى أصالة وإبداع الفيلم وجعل من تجربة مشاهدته متعة فائقة، بالإضافة طبعاً إلى الكوميديا الساخرة والتي تفوقت على العديد من الأفلام التي شاهدتها. دراما وكوميديا رائعة وأنصح بها للجميع.

تقييمي للفيلم: 9/10

الأحد، 7 ديسمبر 2014

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

فيسبوك - "البيت أسود The House Is Black"


شاهدت قبل عدة أسابيع الفيلم الوثائقي القصير "البيت أسود" من إخراج الشاعرة الإيرانية القديرة فروخ فروخزاد.

قبل أن أبدأ بالحديث عن الفيلم أود التنويه على أنه فيلم صعب، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لذا هو ليس للجميع. (ألست أقول هذا عن كل الأفلام التي أشاهدها؟ عموماً...)

لم هو صعب؟ لأنه يتحدث عن القبح، يستفتح الفيلم بهذه الكلمات: "هذا العالم لا ينقصه القبح. لو أغمضنا أعيننا عنه، لرأينا منه المزيد." ثم يتبين لنا أنه يتحدث عن مستعمرة لمرض الجذام في إيران، ولا يخفى عليكم بكل تأكيد مدى قسوة هذا المرض على من يصيبه إذ أنه يسبب تقرحات وتشوهات جلدية شديدة، تصل في بعض الحالات إلى الإعاقة والعمى. كما أن تاريخ هذا المرض، وخصوصاً في القارة الأوروبية خلال العصور الوسطى، مرتبط بالسجون والعار.

ولكن يوضح لنا الفيلم من البداية أن هدفه هو محو هذه الصورة النمطية والتخفيف عن المصابين بالجذام. يصوّر لنا الفيلم نمط الحياة التي يعيشها هؤلاء المرضى من دراسة ولعب للأطفال إلى رتابة الحياة اليومية من طعام ونوم وغناء إلى مناسبات خاصة كالزواج وأخيراً محاولات وطرق العلاج، معتمداً في سرده على أكثر من طريقة، قصائد تلقيها الشاعرة فروغ فروخزاد وتلاوة من القرآن والعهد القديم (وجمال القصائد والآيات يشكل تناقض صارخ مع صور الفيلم الصعبة والمربكة) وسرد تثقيفي عن المرض.

أجده تحدياً بالنسبة لي أن أصف لكم ما الذي أعجبني تحديداً في الفيلم، وربما أعرفه تماماً ولكن لا أريد ذكره لدواعي عاطفية، ولكنه بصدق مسّني وأثر بي كثيراً وقدم لي صورة جديدة تماماً علي.

تقييمي له 10/10.

وصلة الفيلم على موقع IMDb:
http://www.imdb.com/title/tt0336693/

وصلة الفيلم على YouTube:
https://www.youtube.com/watch?v=5WL4w5ceO7w

وصلة الفيلم على Vimeo:
http://vimeo.com/11482249

_____________

I watched several weeks ago the short documentary film "The House is Black" directed by the great Iranian poet Forough Farrokhzad.

Before I talk about the film I'd like to say a disclaimer: this film is hard to watch, and is not for everybody. Why? Because it talks about ugliness, from the opening scene a man narrates: "there is no shortage of ugliness in this world. If man closed his eyes to it, there would be even more." Then it appears that the film is about a leper colony in Iran. Needless to say how leprosy causes skin disfiguration that may lead in some cases to blindness and physical disability. The history of this disease especially in Medieval Europe was associated with confinement and social stigma.

But the film declares from the beginning that its motive is to wipe out this ugliness - and thus this stigma - and to relieve the victims. The film is very minimal in the sense that it only shows the regular daily lives of the people living in this leper colony; from school and playing for children, to daily habits like eating and singing, to special occasions like marriage traditions, and it also shows the process of treatment. The film's voice-overs divides between Farrokhzad's own poetry, and some verses from the Quran and the Old Testament (which provides a stark contrast between the meaning of these verses and the disturbing images that appear on the screen) as well as some educational excerpts.

I find it difficult for me to say what I liked exactly about this film; perhaps I know it deep inside but I wouldn't want to reveal it. I would only say that it has deeply affected me, and watching it was an unforgettable experience.


الأحد، 9 نوفمبر 2014

حول ابتلاع العالم والقنابل الرمّانية - رواية "أطفال منتصف الليل"


لعل أول ما يتبادر إلى أذهاننا حين نسمع اسم (سلمان رشدي) هو روايته التي سببت جدلاً كبيرًا في العالم العربي والإسلامي «آيات شيطانية» والتي أفتى بسببها آية الله الخميني بجواز قتل سلمان رشدي بسبب ما كتب في الرواية، ولا يزال الجدل قائمًا إلى يومنا هذا رغم مضي ستة وعشرين عامًا منذ صدورها. ولكن الرواية التي حازت على شهرة عالمية وجوائز كثيرة هي روايته «أطفال منتصف الليل» الني نشرت عام 1981م. حصدت الرواية جائزة البوكر لذلك العام، ثم حصدت جائزة أفضل البوكر، أي أفضل كتاب بين جميع الكتب الفائزة بجائزة البوكر منذ بدايتها، في الذكرى الخامسة والعشرين، ثم مرة أخرى في الذكرى الأربعين.

حين بدأت بقراءة الرواية، كنتُ متشككة إلى حد ما في إبداعها ومنزعجة قليلاً من طولها، حيث إني قرأتها لغرض جامعي – وربما سنتفق أننا نستثقل أي قراءة واجبة علينا – ولكن مع تقدم الصفحات والفصول وجدتني منجذبة إليها وأنتهز الفرص لقراءتها حتى أتممتها فتمنيت لو أنها كانت أطول! الرواية مدهشة على جميع الأصعدة في نظري، كقصة وسرد وشخصيات ولغة وعوامل المكان والزمان وصوت الراوي، حتى تفاصيلها الكثيرة والتاريخية التي تمنيت لو أنها أقل، تفهمت ضرورتها مع إنهائي للرواية. في نفس الليلة التي أنهيت فيها الرواية قررت مباشرة أن أشاهد الفيلم المقتبس عنها، إخراج ديبا مهتا وبإشراف وسيناريو سلمان رشدي نفسه. كان الفيلم متعة بصرية مدهشة إذ احتوى على عدد من المشاهد الجميلة مثل مشهد استقلال الهند ومشهد الزفاف، ولكنه مخيب للآمال قليلاً لأنه لم ينقل سحر الرواية وكانت أحداثه سريعة وغير متماسكة كما أن تطور الشخصيات لم يكن واضحًا مثلما وجدتُ في الرواية. كل هذا مفهوم من ناحية لأن الرواية فيها كثير من التفاصيل والأحداث المتشابكة وكأنها لوحة واحدة كبيرة، وهذا صعب نقله إلى فيلم مدته ساعتان ونصف تقريبًا – لا بد أن يضيع شيئًا ما في عملية النقل هذه. أود التركيز في هذا المقال على موضوعين مهمين تناولهم رشدي في «أطفال منتصف الليل»، وهما تصوير الدين، وذاتية الحقيقة.


لا بد أولاً من إعطاء مقدمة بسيطة عن «أطفال منتصف الليل» من غير سرد الكثير من التفاصيل التي قد تفسد إثارة القصة على القارئ الذي يود قراءة الرواية. تتحدث الرواية عن قصة سليم سيناي، الذي ولد في الخامس عشر من أغسطس عام 1947م، أثناء تشابك أيدي الساعة في المنتصف تمامًا، مرحبةً بقدومه مثلما يؤمن هو، أي الساعة الثانية عشرة في منتصف الليل، اللحظة إياها لاستقلال الهند من الاستعمار البريطاني. كانت ولادته وولادة الهند الجديدة – توأمته – متزامنة، وهكذا هي أحداث الرواية: قصة حياته بالتوازي وأحيانًا التطابق مع قصة الهند التاريخية والسياسية. يمتلك سليم موهبة التوارد بالخواطر لأنه ولد في هذا اليوم التاريخي المميز، وكذلك أطفال منتصف الليل، الذين ولدوا ما بين الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الواحدة صباحًا وهم 581 طفلا، كل منهم يمتلك قوى خارقة فريدة وكلما كان موعد ولادتهم أقرب إلى منتصف الليل، كانت قواهم أشد وأعظم. شيفا، الذي ولد في نفس لحظة ولادة سليم، يمتلك موهبة الحرب والقوة، في حين أن بارفاتي التي ولدت بعد ثوان معدودة من منتصف الليل تمتلك موهبة السحر. بينما يكتب سليم سيناي قصته، يقرأها على بادما، صديقته التي تعتني به، وهي تمثل صوت القارئ المتشكك والساخر والعاقل، وهي تحاول غالبًا أن تجعله يسرع في سرد الأحداث ولا ينغمس كثيرًا في التفاصيل. في إحدى شكاويها المضحكة – والتي قالتها في الفصول الأولى حيث يسرد سليم قصة عائلته قبل ولادته – تلح عليه: «من الأفضل لك أن تسرع قليلاً، وإلا لمتّ قبل أن تكتب عن ولادتك!» ولكنه يؤكد لاحقًا ويكرر دائمًا أنه «مبتلع حيوات» ولكي نفهمه جيدًا يجب أن نبتلع العالم بأكمله.

الدين في رواية سلمان رشدي محرك أساسي في تسلسل الأحداث، فمنذ الصفحات الأولى نرى كيف أثر قرار آدم عزيز -جد سليم سيناي- على حياته وحياة أولاده وأحفاده من بعده. في إحدى الصباحات الكشميرية الباردة، أصاب آدم عزيز أنفه أثناء السجود في الصلاة، ونزف دمًا تجمد فورًا إلى كرات من الياقوت، ثم بكى وتجمدت دموعه وأصبحت كرات من الألماس. بعد هذه الحادثة قرر الجد ألا يسجد مرة أخرى لرب أو لإنسان، مما كوّن فجوة بحجم قبضة اليد في بطنه جعلته هشًا ومتشككًا طوال حياته. هذه الفجوة انتقلت إلى ابنته ممتاز –أو اسمها بعد الزواج أمينة سيناي– التي ستحمل معها شعورًا بالذنب، ورآها سليم بسبب قدرته على التوارد بالخواطر. هذه الفجوة لاحقت سليم سيناي حتى بعد وفاة جده لأنه الوحيد الذي استطاع أن يراها، وهي موازية في رمزيتها لاعتقاد سليم وإيمانه التام بأنه سوف يموت في عيد ميلاده الحادي والثلاثين في الذكرى الحادية والثلاثين لاستقلال الهند. من الفصول الأولى يعلل سليم رغبته بالكتابة عن حياته بإحساسه بأنه سوف يموت ويطلب من القارئ أن يقبل بأنه في النهاية القريبة سوف يتداعى إلى جسيمات ترابية منسية ولا صوت لها.

من أكثر المشاهد المروعة التي صوّرتها الرواية هو مشهد مقتل شهيد، صديق سليم وجندي باكستاني شاب. حلم شهيد بالشهادة، تحقيقًا لأمنية والده الذي أراد له أن يستحق اسمه. كان يحلم برمانة تحلق خلفه وهي تمثل موته ونيله للشهادة، إلا أنه شهد رمانة من نوع آخر –إذ سقطت قنبلة عليه أثناء الحرب الباكستانية الهندية وفقد رجليه إثر ذلك. حمله سليم إلى مئذنة قريبة، ليواجه حربًا أخرى لأن مجموعة من النمل انتقلت من التهام صرصار إلى افتراس دم شهيد وسط صراخه. همّ سليم إلى مساعدته وضرب مرفقه مفتاح كهربائي شغل مكبر الصوت الخاص بالمئذنة، وبعد ذلك «لن ينسى الناس كيف ارتفعت الصرخات المنددة بعذابات الحرب الفظيعة من المسجد». من خلال هذه الصورة المروعة، عبر سلمان رشدي عن استنكاره للحرب والموت اللامنطقي والعبثي، حيث أن هذه الصرخة كانت حقيقية وليست جوفاء ولامرئية مثل فجوة آدم عزيز، وهي تمثل الرفض القاطع لآلاف الفظائع التي شهدتها الهند وباكستان في تلك الفترة. شهيد الذي حلم بالشهادة كان موته عنيفًا ومأساويًا وكانت شهادته بلا معنى وكأن رشدي يريد عبر إيصال هذه الصرخة عبر المئذنة أن يرينا أن الموت واحد، سواء كان لمسلم أو هندوسي، وأن الكل خاسر في الحرب.

الثيمة الأخرى المتكررة في الرواية هي ذاتية وعدم موثوقية الحقيقة والذاكرة. في فصل «السلم والثعبان» يتحدث سليم عن حبه لهذه اللعبة وهو طفل صغير، وكيف أثرت في تفكيره ونظرته نحو الأمور. لعلنا جميعًا نعرف قواعد اللعبة: السلم يصعد بك إلى الأعلى وهو جيد ويجعلك تفوز، والثعبان يهبط بك إلى الأسفل وهو سيء ويجعلك تخسر. وقد أدرك سليم منذ الصغر أننا كلما صعدنا سلمًا وجدنا ثعبانًا ينتظرنا ليوقعنا. ولكن ما لا توضحه اللعبة هو عدم حتمية ومطلقية هذه العلاقة، إذ قد تكون السلالم ثعابين، وقد تكون الثعابين سلالم في الحياة. يقص علينا سليم كيف وهو صغير أصيب بحمى التيفوئيد وكيف عالجه جارهم الذي يسكن في غرفة في علية منزلهم وهو مختص بدراسة الثعابين عبر إعطائه سما مخففا لثعبان الكوبرا. أدرك سليم من خلال هذه الحادثة «غموض الثعابين»، أي عدم حتمية الشر وتلازمه مع الخير حد التماهي في بعض الأحيان. هذا الصراع ما بين قوتين خارجيتين الذي ما يلبث أن يتحول إلى صراع داخلي بين قوى متشابكة متكرر طوال الرواية ونراه في أوضح صوره عبر العلاقة بين سليم وشيفا، سليم الذي يؤمن بالأفكار والمبادئ وشيفا الذي يؤمن بالمال والقوة.

أخطأ سليم في تواريخ بعض الوقائع التاريخية مرتين، في حدث انتخابي وفي اغتيال غاندي، ولكنه لا يعتذر عن هذه الأخطاء بل يؤكد أنه يسرد قصته منطلقًا من ذاتية حياته وذاكرته. يقول: «الذاكرة لها نوعها الخاص، فهي تختار، وتمسح، وتبدل، وتبالغ، وتقلل، وتمجد، وتذم، ولكنها في النهاية تكون حقيقتها الخاصة، نسختها اللامتجانسة ولكن المتماسكة من الأحداث». في آخر فصل من الكتاب يضع سليم عدة أسئلة تجعل القارئ يتساءل عن صحة الأحداث، بل ويشك في حدوثها، مثل «لم احتاج سليم لحادثة لكي يكسب قواه الخارقة؟»، وأسئلة أخرى لن أضعها لكي لا أفسد على القارئ المفاجئات التي تخبأها الرواية. ولكنه ينهي هذه الفقرة بتأكيده على أن الأمور حدثت هكذا لأنها حدثت هكذا، ولا تفسير آخر غير ذاك. هنا مرة أخرى نرى عدم موثوقية السرد ونتذكر الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، رائد النظرية التفكيكية، الذي يؤكد على لامركزية اللغة وعدم وجود مفاهيم كالذات والحقيقة والوعي لأنها جميعًا مختلقة ومصطنعة، كما أنه يعارض التفكير الثنائي الذي يقسم الأشياء والأفكار إلى متناقضات وبالتالي يؤدي إلى صفها في ترتيب هرمي، جاعلاً أحدها أفضل من الآخر، ويقترح بدلاً من هذا أن «نفكك» اللغة ونبين أن الأشياء في الحقيقة ليست متناقضة بل معنية ببعضها وربما أيضًا متطابقة. يؤكد سليم هذه اللاحتمية ويقول: «الحقيقة مسألة نسبية، لذا بقدر ما تنأى عن الماضي، يبدو لك هذا الماضي محسوسًا ومعقولًا أكثر، وبقدر ما تقترب من الحاضر، يبدو لك أبعد وأبعد عن المعقولية». مثلما ذكرت في بادئ المقال، عندما انتهيت من مشاهدة الفيلم كنت غاضبة لأنه غير دقيق، وغيّر من تسلسل الأحداث، ومسح بعض الأحداث المهمة، وأهمل بعض الشخصيات الرئيسية، إلى أنني وبعد مضي فترة من الزمن، أدركت أن الرواية بأكملها ليست مطلقة، وأن سلمان رشدي لا يريد لنا أن نتقبلها بالضبط كما هي، لأن سليم بنفسه شك في حقيقية بعض الوقائع. ولكن ما يهم في النهاية هو إدراكنا أنها «رغم كل شيء نابعة عن حب»، مثلما يؤكد سليم في نهاية الرواية.

ومرة أخرى، مقالي هذا يتناول موضوعين فحسب من الرواية، وفي الحقيقة هي نظرتي الذاتية والنسبية التي جعلتني أركز على هذين الموضوعين خاصة دون الأخرى. يمكن قراءة الرواية في سياقها التاريخي وتحليل الكثير من أحداثها مثل الانتخابات، والحروب بين الهند والباكستان، واستقلال البنغلاديش، ودور رئيسة الوزراء إنديرا غاندي التي تعتبر محورا أساسيا في الرواية (وفي تاريخ الهند الحديث أيضًا)، كما يمكن قراءة الرواية من منطلق صراع الطبقات الاجتماعية ما بين البرجوازية والبروليتارية والاستعمارية، وأيضًا من زاوية أنها بأكملها ترمز إلى الهند بكافة شخصياتها وعوالمها السحرية والواقعية. لكي نفهم الرواية، كما يبدو لي، يجب أن نبتلع الهند بحدودها الحديثة والقديمة، وهذا حتمًا شيء مدهش وساحر.


————————-

*تُرجمت هذه الرواية إلى اللغة العربية، وأصدرتها دار الجمل بترجمة عبدالكريم ناصيف.


————————-

نُشر المقال في مجلة أكثر من حياة بتاريخ 09 نوفمبر، 2014:

الاثنين، 3 نوفمبر 2014

فيسبوك - "Who's Afraid of Virginia Woolf?"

I thought to myself: 'I wanna watch a light film for tonight, not heavy as most of my films are'. I chose "Who's Afraid of Virginia Woolf?" because genius Wikipedia decided it's black comedy and drama, which I normally love and enjoy.

This turns out to be one of the most devastating films I've watched in a long time. Think Bergman plus a lot of shouting/cursing/drinking. God, this was so uneasy. I'm almost glad it's over because I'm emotionally drained. But now that I'm thinking about it, it is completely powerful and marvelous. Highly recommended but not for the fainthearted.