الأحد، 25 مايو 2014

تأملات صامتة


تصف الشاعرة والروائية الأمريكية سيليفا بلاث قصائدها بقولها: "قصائدي ليست عن هيروشيما، ولكن عن طفل يشكّل نفسه إصبعاً بإصبع في الظلام، ليست عن إرهاب التصفية الجماعية، لكن عن غموض القمر على شجرة الريحان في مقبرة مجاورة". وأتفق معها على نحو ما، إذ إنها ليست مهمة الآداب والفنون تصوير الواقع كما هو، فهذا شيء قد يفعله التاريخ - رغماً عن التحوير الدائم للأحداث التاريخية - بل إنها، أي الآداب والفنون، تعطينا دخولاً عجائبياً إلى عالم آخر من وحي وخلق الإنسان. هذا العالم الخيالي هو محاولة مستمرة للتحذير مما لا نريده، أو للترغيب فيما نريده. وما يجذبني شخصياً في هذا العالم هو تمثيله لأفكارنا ومشاعرنا وفتحه لباب الاحتمالات اللامتناهية والتي توسع آفاقنا ومداركنا. إحدى الشخصيات التي أشعر دوماً بالارتباط معها بطريقة أو بأخرى هي شخصية المتأمل الصامت في الآداب والفنون، ولعل ذلك يرجع إلى شخصيتي الهادئة رغم فوضى الأفكار إذ أشعر أنّ في صمت هذه الشخصيات المعنى الكثير.

على سبيل المثال، في رواية إف سكوت فيتزجرلد "غاتسبي العظيم" توجد شخصية مهمة وهي عينا الدكتور تي جي إيكلبورغ المطلتان على وادي الرماد. بعدما يصف فيتزجرلد على لسان الراوي نيك كاراوي هاتين العينين الزرقاوتين الضخمتين المطلتين عبر نظارة صفراء، يقول: "يبدو أن طبيب عيون ماجن قد أقامها هناك ليزيد زبائنه في مقاطعة كوينز، ثم انحدر هو نفسه إلى العمى المطلق أو نسيهما وانتقل بعيداً. لكن عينيه اللتين أعتمتهما أيام طويلة عديمة اللون تحت الشمس والمطر، ظلتا تحملقان في الأرض الجرداء." ويتبين للقارئ أن هاتين العينين هما في الأصل لوحة إعلانية. ولكن هذه الصورة المتكررة في الرواية تدلنا على شخصية مهمة ورمزية وليس فقط لوحة إعلانية، فعينا الدكتور تي جي إيكلبورغ شاهدتان على الخراب الأخلاقي والقيمي للمجتمع الأمريكي في عشرينيات القرن الماضي، وهما يمثلان انتقاداً صارخاً لهشاشة الحياة الباذخة وما يترتب عليها من سطحية ومادية وركض وراء الملذات الفارغة. كما إنهما صورة رمزية للرب الذي هجر أمريكا وترك عينيه شاهدتين ومستنكرتين على تدني القيم الأخلاقية.

أما في المسلسل القصير "الوصايا العشر" المكون من عشر حلقات للمخرج البولندي القدير كريستوڤ كيسلوڤسكي، يظهر رجل بشكل متكرر في معظم الحلقات، بشخصيات مختلفة دوماً: سائق دراجة، ومتسول، وعامل بناء، ورجل يحمل أكياس تسوق، وغيرها من الشخصيات. هذا الرجل لا يفعل شيئاً طوال ظهوره في الشاشة سوى التحديق في الشخصيات الرئيسية للحلقة في لحظات مفصلية من حياتهم وهم يقررون أو يفعلون شيئاً سيغير من قدرهم. في الحلقة الرابعة مثلاً، تجد الشخصية الرئيسية آنا رسالة مغلفة في منزلها مكتوب عليها بخط والدها "لا يفتح قبل وفاتي". آنا فتاة تعيش وحيدة برفقة والدها، إذ ماتت أمها بعد ولادتها بقليل. تذهب آنا في نزهة إلى بحيرة وتقرر وقتها فتح الرسالة وقراءتها، إذ إنّ محتواها قد يُغير من حياتها. تفتح الظرف وتجد بداخله ظرفا آخر مكتوب عليه بخط والدتها "إلى ابنتي آنا"، وحين تقرر فتحه يخرج من البحيرة الرجل الذي بلا اسم حاملاً قاربه ويتأمل في وجهها لفترة قصيرة، وعليه ملامح الحزن والاستنكار، ثم يذهب في حال سبيله. لم يفعل شيئاً ولكن بعدما رأته آنا قررت عدم فتح الرسالة وأرجعته إلى الظرف الأول. مثل "غاتسبي العظيم"، اعتبر بعض النقاد السينمائيين أن هذا الرجل يرمز إلى الرب بنظراته التأملية واستنكاره لما يفعله النّاس.

أمّا شخصية تايرسياس في القصيدة الطويلة "الأرض اليباب" لـ تي إس إليوت فهي مثيرة حقاً. أصل الشخصية هي أسطورة إغريقية حيث صدف أنّه مرّ يوماً في غابة ورأى أفعى فضربها، فتحول بعد ذلك إلى امرأة، وعاش حياة النساء لسبع سنوات. وفي أحد الأيام وهو يمشي في الغابة رأى نفس الأفعى فضربها مرة أخرى ورجع إلى هيئته الذكورية ولكنّه بقي بثديين أجعدين. احتدم النقاش يوماً بين كبير الآلهة جوبيتر وزوجته جونو، حول من يستلذ بالحب أكثر الرجل أم المرأة، واستدعيا تايرسياس لحكمته ولأنّه اختبر الجنسين، فوقف في صف جوبيتر. غضبت جونو وحكمت عليه بالعمى، ولكن جوبيتر أشفق عليه وأعطاه بدلاً عن ذلك القدرة على رؤية المستقبل. قصيدة "الأرض اليباب" مليئة بالصور والاستشهادات التاريخية والأسطورية والأدبية، إذ يكاد لا تخلو صفحة واحدة منها من اقتباس أو إشارة إلى قصائد أو أحداث تاريخية مشهورة. في فصل موعظة النار من القصيدة، وظّف إليوت شخصية تايرسياس ليلعب دور المشاهد والمتأمل لحياة فتاة الطابعة، إذ يستطيع أن يرى روتينها اليومي من وظيفتها كآلة في مكتب عملها إلى بيتها الفوضوي وطعامها الذي هو عبارة عن بقايا الفطور ثم قدوم حبيبها وشعورها بالبرود تجاهه. يقول إليوت: "أنا تايرسياس، عجوز أجعد النهدين، أدركت ما رأيت ثم تنبأت بما تبقى" فهو يرى هذه المعاناة اليومية واختبر المأساة الإنسانية على مر العقود ويعلم عن الأحزان والمصائب قبل حدوثها، ولكنه لا يفعل شيئاً، يتأمل فحسب ولا يملك غير الشعور بالشفقة.

كل هذه الشخصيات شاهدة على مآسي وأحلام كثيرة، فهي ترى ما لا يبصره الآخرون، ولذلك هي دائماً أعلم وأخبر من كل الشخصيات الأخرى، ولكنها رغماً عن ذلك لا تفعل شيئاً حيالها بل تتأمل بأسى فحسب، ربما هي عاجزة عن إحداث التغيير، أو ربما هي لا ترغب فقط، وقد تكون يئست من البشر وتكرارهم المستمر لنفس الأخطاء على مر القرون. يتساوى المعنى واللامعنى في حضورهم، إذ يبدو أحياناً أنهم منمقات إضافية لا طائل منها، وفي أحيان أخرى يكمن في وجودهم المعاني كلها. شخصية المتأمل الصامت بمثل ما صورتها الأمثلة السابقة غير حقيقية وغير واقعية، ولكن هذا الشعور بالارتباط معها حقيقي وذلك ما يهم. وربما هو ذا السبب الذي نقرأ لأجله.
_________________________

نُشر المقال في جريدة الرؤية بتاريخ 26، مايو 2014:
http://alroya.om/ar/writers/266-writer022/101244-2014-05-25-12-08-02.html

وفي جريدة آراء الإلكترونية بتاريخ 27، مايو 2014:
http://www.araa.com/opinion/24594

الاثنين، 12 مايو 2014

المبصرون العميان... وكوابيس أخرى


يقول نيكوس كزانتزاكيس في سيرته الذاتية الفكرية "تقرير إلى جريكو": "كانت الخطوة الأولى في الاستهلال -كما قلت لنفسي- هي: الخير والشر عدّوان. الدرجة الثانية والأعلى هي: الخير والشر زميلا عمل. الخطوة الأعلى وأعلى خطوة أستطيع الوصول إليها الآن هي: الخير والشر متطابقان (هما الشيء ذاته)". قد لا يتفق الأعم الأغلب مع هذا الاقتباس، وسيحاولون دحضه بكافة الوسائل المعرفية والشواهد التاريخية، بيد أنني لم أكتب هذا المقال لتأييده أو لدعمه، بل إنني أكتبه بروح متسائلة ومتشككة وبأسئلة وعلامات استفهام أكثر من أجوبة ونقاط مفصلية. سأجمع بعض المشاهدات السينمائية والقراءات الأدبية حول طبيعة الشر في النفس البشرية، من غير تحليل عميق ولكن بطريقة السرد والموازنة.

أنهيتُ قبل قليل قراءة رواية "العمى" للكاتب البرتغالي خوزيه ساراماجو، وبقدر ما جذبتني وأبهرتني بقدر ما أرعبتني وجعلتني أحملق مدهوشة في خيالات وأفكار وكوابيس الكاتب. تتحدث الرواية عن وباء تفشى في مدينة ما، وهو داء العمى الأبيض؛ إذ بدأ الأمر مع رجل كان واقفاً في إشارات المرور الحمراء، وفجأة فقد قدرته على الرؤية، وبعكس ما نتخيل العمى المظلم والأسود كان هذا العمى أبيضاً. يتفشى الداء بالملامسة البصرية فقط؛ فكل من قابلت عيناه عينا الأعمى يصاب بالعمى بدوره. حاولت الحكومة في البدء التحكم بالوباء وحبست كل من أصيب به في مشفى للأمراض العقلية ومنعت كل وسيلة للتواصل معهم، وأصدرت بعض القوانين على العميان من قبيل أن مغادرة المبنى تعني الموت الفوري وفي حالات الوفاة يجب على المرضى دفن الجثث في الفناء وعدم الاعتماد على أي تدخل خارجي في حال حدوث أية اعتداءات. صوّرت الرواية حالة هؤلاء العميان في المحجر وكفاحهم للبقاء وتشكّل العصابات والدكتاتورية العمياء. ولكن لم تنجح هذه الطريقة، وتفشى العمى في أرجاء المدينة كلها، وتفسخت الحكومة إذ لا طائل من عميان يحكمون عميان فكلهم في الفراغ والبياض سواء. أن تفقد البشرية جمعاء حاسة من حواسها؛ فذلك يُرجعها إلى البدائية والحيوانية، أن يكون الهدف للإنسان في ظل هذه الظروف هو البقاء والطعام فحسب، فإنه يفقد كل مظاهر الأقنعة والمجاملات والحضارة وتظهر طبيعته الحقة. لربما نحن على لسان زوجة الطبيب في الرواية: "بشر عميان يستطيعون أن يروا، لكنهم لا يرون". لربما العمى موجود منذ الأزلية، وكل ما رافقه في الرواية من أحداث تنم عن الخوف والازدراء والأنانية والطمع وحب السلطة والديكتاتورية والقتل والسرقة واستغلال الضعيف والجشع، موجود كذلك منذ الأزلية إلا أن داء العمى زاده وضوحاً فحسب. إن كنا نحب التقسيمات المطلقة، فذلك خير وهذا شر، فهل نحن واثقون تماماً من الجانب الخيّر فينا حين لا يرانا الآخرون؟

أتذكر أيضاً مشهد سرده الكاتب السوري دارا عبدالله في كتابه "الوحدة تدلل ضحاياها"؛ حيث قدم سجينًا اسمه "أبو سمير" إلى السجن، وقد كان مقاتلاً في الجيش الحر. استقبله السجناء بكثير من الترحيب والتهليل وعومل معاملة الأبطال، إلا أنه كان مصاباً بطعنة في قدمه ولم يقدم له العلاج، ومع مرور الأيام التهب الجرح وتعفن، وأصبح يصدر روائح كريهة ضايقت السجناء من حوله، شيئاً فشيئًا أصبحوا ينفرون منه، وانعدم التعاطف وأصبح التأفف والتذمر معلناً؛ حين مات بفعل الجرح "حزن البعض، صمت البعض، وفرح البعض الآخر، وكان من بين المسرورين أشخاص رحبوا به في البداية. عندما نقلوا جثته كان بعض السجناء يقومون بالدعس على الديدان التي كانت تسقط من جسده". مهما كنا نقدر ونبجل شيئاً ما أو شخصاً ما، فحالما يتعدى هذا على مساحة راحتنا الخاصة إلى أن يظهر الشر الكامن فينا، ولعله مثال ينطبق على الجميع ولكن بدرجات متفاوتة، ولعله لا يظهر إلا في الأوقات الصعبة حيث تكشف الوجوه الحقيقية من غير قناع المجاملات.

وفي الفيلم الإسباني "فيريديانا" للمخرج السريالي لويس بونويل، تقوم البطلة الرئيسية بإيواء مجموعة من المتسولين في منزلها الكبير، بدافع الرحمة والعطف ولأنها متدينة وتريد بذلك رضا الرب واستغلال ثروتها فيما هو خير. حالما تخرج البطلة في مهمة طويلة إلى المدينة وتدع المنزل في أيدي المتسولين حتى يستغلوا هذه الفرصة ويقيموا مأدبة عشاء فيها سكروا وتقاتلوا وتضاجعوا ورقصوا وأحدثوا الكثير من الفوضى. يسخر بونويل في هذا الفيلم من الكثير من مظاهر وقيم التعفف والحضارة، فحالما ترى السيدة ما حدث لمنزلها حتى تقرر التخلي عن طيبتها وتطردهم جميعاً. في مشهد الفوضى داخل المنزل، يقرر المتسولون أخذ صورة لهم وهم على طاولة العشاء، ويجلسون في نفس وضعية الجالسين في لوحة "العشاء الأخير" للفنان الكبير ليوناردو دا فينشي، والمفارقة واضحة هنا ما بين الدلالة الدينية والأخلاقية للوحة ووضعية المتسولين المثيرة للضحك والسخرية. في مشهد آخر ينقذ رجل كلباً كان مربوطاً بعربة يجرها حصان، ويظن بذلك أنه فعل خيراً، وفي اللحظة ذاتها تمر عربة أخرى مربوط بها كلب آخر ولا يراه الرجل. كل هذه الأحداث جعلتني أتساءل مع نهاية الفيلم عن الخير والشر، هذين المفهومين المتطابقين حسب فلسفة كزانتزاكيس، وفيما لو كان الإنسان خيِّراً بطبعه أم شريراً بطبعه، أم أنه يحمل في داخله هاتين القوتين بشكل مركب ومتقاطع، ولعلي أرجح هذا الخيار الأخير إذ يبدو لي أقرب للحقيقة.

... أنهي هذا المقال -الذي هو أقرب إلى لوحة من الفسيفساء بجزيئات ملونة ومختلفة، ولكنها تشكل جميعها صورة واحدة عن موضوع واحد جوهري- باقتباس أخير من الفيلم الوثائقي القصير "ليل وضباب" للمخرج الفرنسي آلان رينيه. يتحدث الفيلم عن أحد معسكرات النازية في بولندا بكثير من التفصيل عن الأحداث المروعة التي شهدته، ويعتبر من أهم الأفلام العالمية التي تناولت موضوع الهولوكوست. يُنهيه الراوي بتساؤل وتحذير للبشرية جمعاء: "من منا يسهر من على برج المراقبة الغريب هذا ليحذرنا من قدوم جلادينا الجدد؟ هل وجوههم مختلفة عنا حقاً؟ نحن نحدق في هذا الحطام الآن وكأن المسخ القديم مسحوق للأبد تحت هذه الأنقاض، نحن نتظاهر بالأمل وكأن الصورة من الماضي تلاشت، وكأننا شفينا إلى الأبد من كارثة المخيمات العسكرية. نحن نتظاهر أن كل ذلك حدث مرة واحدة فقط، في زمان ومكان محددين. نحن نغض الطرف عما يحدث حولنا، ونصم آذاننا عن الصرخة الإنسانية اللامنتهية". بطريقة ما، هو يحذرنا كي لا نصبح المبصرين العميان، كرمزية رواية ساراماجو، وكخذلان رفاق أبو سمير، وكسخرية بونويل.

________________
نُشر المقال يوم 12 مايو، 2014 في جريدة الرؤية:
http://alroya.info/ar/citizen-gournalist/visions/99465----

وجريدة آراء الإلكترونية بتاريخ 13 مايو، 2014:
http://www.araa.com/opinion/24121

الأحد، 13 أبريل 2014

شذرات أفكار عن الهوية والانتماءات


لي صديقة من أصول هندية، ولكن عائلتها وأجدادها عاشوا في زيمبابوي، وهي بنفسها عاشت سنين طفولتها هناك. حين كبرت، وتزوجت، ذهبتْ لتستقر في أوروبا، وحصلت على الجنسية البريطانية. هي تعيش الآن في عُمان، وتشعر بالحب نحو عُمان أكثر من أي دولة أخرى. إن سألتها "من أنتِ؟" ماذا ستتوقع أن تكون إجابتها؟ هل ستقتصر هويتها على واحدة من هذه الدول، أم ستحكي لك قصتها بالتفصيل الذي ذكرته؟ المسألة معقدة بعض الشيء، فإن ذكرت أنها "عُمانية" مثلاً، تقابلها نظرات مُتعجبة ومُتشككة، وإن قالت إنها "بريطانية" سيلاحقها السؤال التالي: "ولكن أصلك من أين؟". لهذا يبدو لي أنَّ مسألة الهوية رمادية للغاية، وليست سوداء أو بيضاء، كما يتهيَّأ للناس، أو كما يوجه الإعلام والسلطة.

قد يقول قائل: هذه حالة خاصة وغير شائعة، ولكني أكاد أجزم أنها قصة متكررة بعوامل مختلفة لدى الجميع. ولأثبت ذلك سأتحدث قليلا عن هويتي الخاصة، وهي حتماً ليست بتنوع هوية صديقتي، ولكن أظنها جديرة بالذكر.. هاجر جدي لأبي من عُمان إلى سواحل شرق إفريقيا، دولة بوروندي تحديداً، لغرض التجارة وكسب العيش. تزوج واستقر هناك وأنجب أولاده الذين عاشوا معظمهم سنين شبابهم هناك إلى أن ذهبوا للدراسة في مصر، ثم قرَّروا الرجوع إلى عُمان للاستقرار. بطبيعة الحال تعلموا اللغة السواحيلية، وتبنوا بعض العادات الإفريقية والمأكولات والملبس...وغيرها من الأمور، ورجعوا بها إلى عُمان. ففي صغري كنت أفخر بهذا الجزء من انتمائي؛ نظراً لكوني دخلت في صداقات مع جماعات شللية، منطلقة من هذا التاريخ المشترك لدى الكثير من العُمانيين؛ فكنا نصنِّف الفتيات حسب تاريخ أجدادهن ونطلق الدعابات عن هذه الاختلافات الموجودة في المجتمع العُماني. كبرتُ قليلاً ومع توسع قراءاتي للأدب العربي -الفلسطيني تحديداً- أصبحت أفخر أكثر بقوميتي ولغتي العربية وديانتي الإسلامية. تابعت العديد من البرامج التليفزيونية عن استرجاع الهوية العربية والإسلامية وقرأت الموسوعات المصورة للدكتور طارق السويدان عن الأندلس واليهود، وحلمت كما حلم الحالمون مع أوبريت "الحلم العربي" والذي أصبح وجعاً عربياً. ثم ذهبت للدراسة في جامعة الكويت، وكنت كلما سافرتُ إلى الكويت أشعر بشوق نحو عُمان، وكلما رجعتُ إلى عُمان أشعر بشوق نحو الكويت. وإلى اليوم -وبعد مرور أكثر من سنتين منذ تخرجي- ما زلتُ أشعر بنوع من الانتماء نحو الكويت. حين أقدم البوعزيزي -رحمه الله- على إشعال النار في جسده رفضاً وحزناً وتمرداً، وابتدأ بذلك عهداً جديداً من الثورات العربية، شعرت بأنني أنتمي إلى كل دولة ثارت ضد طواغيتها، وحلمتْ كما حلمتُ بالحرية والعدالة والمساواة. توسعت قراءاتي ومشاهداتي السينمائية ورأيتني أرتبط معنوياً مع دولتين على وجه الخصوص؛ العراق واليونان، وأشعر نحوهما بحب لا يُفسر ولا يُفهم. كل ما يخصهما من آداب وفنون وسينما وموسيقى وعلوم وطبيعة وآثار وحضارة وأساطير وشعب، كل ذلك أشعر نحوه بكثير من الإعجاب والحب، وأمنِّي نفسي بزيارتهما قبل أي دولة أخرى في هذا العالم. ومع الأيام توسَّع مفهوم الهوية لديَّ ليشمل العالم بأكمله؛ مُنطلقة بذلك من الفكرة الإنسانية "كلنا نعود إلى أصل واحد"؛ فرأيتُ نفسي مواطنة عالمية، رغم مثالية هذه الفكرة. وناديت بالتسامح بين جميع الناس وتقبل الآخر مهما اختلف. هذه الانتماءات المتعددة تشكل جميعها هويتي الخاصة والمتفردة بي وحدي؛ ففي جزيئاتها يشاركني الآلاف والملايين، ولكن في مجملها لا يشاركني بها أحد. وقد تغيَّرت مع مرور الزمن، وستظل تتغير مع اكتسابي لخبرات ومعارف أكثر.

وفي ظل كل هذا، أتساءل عن معنى الوطن، ما هو؟ هل هو حقاً يُختزل في الجنسية وجواز السفر؟ أم هو أوسع وأشمل من ذلك بكثير؟ أم هو وهم اخترعه الإنسان ليشعر بالانتماء نحو جماعة ما، وحتى لا يشعر بالغربة في هذه الحياة الموحشة؟ أرى أن وطني هو كل ما توافق مع قيمي ومبادئي الشخصية. أنتمي إلى عراق الشعر، عراق السياب ومظفر النواب ونازك الملائكة؛ أحبُ روسيا السينما والأدب، روسيا تاركوفسكي وكالوتوزوف وتولستوي وديوستفسكي؛ أنتمي أيضاً إلى جبال عُمان والتي كلما زرتها وخيّمت في سيوحها شعرتُ بالقرب والدفء والطمأنينة؛ ولنفس السبب -وهو انتمائي للجبل- أشعر بحاجة ملحة لزيارة البيرو وحضارة الإنكا ومدينة ماتشو بيتشو الجبلية؛ يونان الموسيقى والأدب والحضارة؛ فلسطين الشعب والصمود والحرية؛ فرنسا الأزياء واللغة؛ إيران الفن التشكيلي والتصويري؛ وهكذا إلى آخر قائمة الأوطان والهويات والانتماءات التي تشكلني وتكونني. قد يقول لي أحدهم: "ولكنك تخلطين كل هذا وكأنه وعاء من الحساء ولا تلقين بالاً للخصوصية العُمانية"، وأقول إن فرادتي تكمن في هذه الانتماءات الصغيرة، وأنني لا أستطيع تحديد انتماء واحدا أو انتماءين -سواء كانت انتماءات قومية أو وطنية أو عرقية أو دينية- وأعطيهما كل طاقتي وولائي وحبي، وأرى في فعل ذلك شيئاً من التطرف وهو المؤدي إلى إشعال الحروب حول العالم؛ لعلي أنهي هذا المقال باقتباس من كتاب "الهويات القاتلة" لأمين معلوف، والذي تحدَّث فيه بعمق عن مسألة الهوية والانتماءات، وبيّن كيف يمكن لهذا المفهوم أن يخون معناه ويؤدي إلى إراقة الدم، تمنى في آخر فقرة من الكتاب.. وقال: "أن يكتشفه (يعني الكتاب) حفيدي عندما يصبح رجلاً، في مكتبة العائلة بالمصادفة، فيقلّبه ويتصفحه قليلاً، ثم يعيده إلى المكان المغبر الذي سحبه منه، ويهز أكتافه مستغرباً أنه في زمن جده كانت هناك حاجة بعد لقول مثل هذه الأشياء".. ونتمنى معه ذات الشيء، لعل هذا العالم يصبح أفضل.

____________________
نُشر المقال في جريدة الرؤية بتاريخ 14 ابريل، 2014:

الخميس، 10 أبريل 2014

آلفاڤيل والإنجيل الذي لا نريد


لعل أول ما يتوقعه المشاهد المعتاد على السينما الهوليوودية حين يقرر مشاهدة فيلم خيال علمي هو الكثير من الروبوتات والمركبات الطائرة والعمارات الشاهقة والتقنيات اللامعقولة، وكل ذلك بمؤثرات خاصة ليبدو حقيقياً جداً. ولكنه قد يُصدم إن قرر مشاهدة فيلم "آلفاڤيل" للمخرج الفرنسي جان لوك غودار والذي يُصنف على أنه فيلم خيال علمي ولكنه مصور في باريس، باريس ليلاً بعماراتها الزجاجية ونوافذها المفتوحة على العالم بغير ستار، بسياراتها ومصاعدها وهواتفها المعتادة وبغير تقنيات خاصة. 

هذا هو باختصار أسلوب هذا المخرج الاستثنائي الذي يتحداك بمعاني أفلامه بدلاً من أن يبهرك بمؤثراته، ويثور على مفاهيم السينما التقليدية بدلاً من الانقياد لها. 

تدور أحداث الفيلم في مدينة "آلفاڤيل" المستقبلية الديوستوبية حيث يسافر ليمي كوشين - الممثل إيدي كونستانتين - إليها وهو عميل سري من الآوتدلانس (مدينة خارج المجرة الفضائية) بغرض العثور على زميله المفقود وقتل رئيس آلفاڤيل البروفيسور ڤون براون وتدمير الكمبيوتر آلفا ٦٠ والذي يتحكم بالمدينة تكنولوجياً. يغير كوشين اسمه إلى إيفان جونسون ويدّعي أنه يعمل لصالح صحيفة فيجارو برافدا. تستقبله ناتاشا ڤون براون - الممثلة آنا كارينا - والتي ترافقه طوال الفيلم لأن عملها يقتضي مراقبة تحركات الغرباء والقادمون من الآوتلاندس.

نجح غودار في تصوير الكابوس بجوهره الكامن متمثلاً في مدينة آلفاڤيل. هذه المدينة التي يتحكم بها كمبيوتر دكتاتوري لا يفهم كل ما له علاقة بالعواطف الإنسانية فيرفضه. يُجبر كل مواطنو هذه المدينة على التصرف بمنطقية والابتعاد عن العاطفة فيعدم كل من يبكي أو يضحك بكثرة، وكل من يسأل "لماذا"، وكل من يظهر العطف والحنان.


في مشهد إعدام جماعي، يسأل ليمي كوشين الشرطي "لم حكم عليهم بالإعدام؟" ويرد الشرطي: "لأنهم تصرفوا بلامنطقية" ثم تقول ناتاشا: "آه أنا أعرف ذلك الرجل، لقد بكى حين ماتت زوجته".

تتاح الفرصة للمحكوم عليهم بالإعدام بأن يتحدثوا قبل أن يطلق عليهم الرصاص، فيقول أحدهم: "استمعوا إلي أيها العاديون، نحن نرى الحقيقة فيما حجبت عنكم، والحقيقة هي أن الحب والإيمان هما جوهر الإنسان.. والشجاعة، والحنان، والعطاء، والتضحية. أما البقية فهم العائق الذي أنتجه تقدم جهلكم الأعمى" ثم يُطلق عليه الرصاص ويسقط في بركة سباحة (المكان المخصص للإعدام) ويصرخ: "يوم ما.. يوم ما" ثم يموت وسط تصفيق البروفيسور ڤون براون والشرطة المراقبون ببرود تام. 

صفة البرود هي الصفة الغالبة لجميع سكان هذه المدينة إذ تبدو وجوههم ميتة خالية من المشاعر الإنسانية وكأنهم أموات يتحركون فحسب. حتى روحانية الديانات مرفوضة، فالإنجيل هناك ليس كما نعرفه، بل هو عبارة عن قاموس متجدد بين كل يوم وآخر، وفيه الكلمات التي يمكن استعمالها في حين تختفي كلمات أخرى لأنها تُمنع. حين تقرأ ناتاشا من كتاب الشعر للعميل السري - وهي لا تعرف ما هو الشعر - تقف عند كلمة "ضمير"، وتتسائل ما يعني؟ ثم تبحث في الإنجيل وتقول: "هذه الكلمة ليست هنا" وتعلق: "في خلال الشهور الماضية، اختفت بعض الكلمات التي كنت أحبها؛ طائر أبو الحناء، البكاء، ضوء الخريف، الحنان".

غودار لا يتوانى عن إدراج معاني يقصد بها السخرية طوال الفيلم، ومن ذلك أن الكمبيوتر آلفا 60 يتحدث إلى المواطنين بكلمات معظمها اقتباسات مباشرة من الشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس - رغم أن الشعر لا يُقرأ وممنوع وغير معروف في مدينة آلفافيل. كما يرافق صوت الكمبيوتر الأجش والإلكتروني صوت خافت لأنفاس انسان وكأنه يؤكد على الإنسانية أولاً قبل كابوس التقنية هذا.

هذه هي الصورة التي لا نريد حتماً أن نصل إليها، رغم أننا إن تفكرنا فهي ليست بعيدة وخيالية تماماً، إذ نرى في زمننا الحالي علاقات حب بين إنسان وآلة وعلاقات هوس بين إنسان ولعبة، وليس ببعيد أن تتغلب الآلة وتتحكم بخالقها. لعل الأمل يكمن في اقتباس بسيط من الفيلم، حين يحقق الكمبيوتر آلفا 60 مع ليمي كوشين ويسأله: "هل تعرف ما يضيء الليل؟" فيرد كوشين: "الشعر". تمسك بالشعر أيها الإنسان، فوسط هذا التشويش وهذا البرود والزيف لن تنتشل إنسانيتك من الضياع سوى من خلال الشعر.

_____________________

نُشر المقال في جريدة آراء الإلكترونية بتاريخ 10 أبريل، 2014:

الأحد، 6 أبريل 2014

الحق في الحلم ولو انكسر


شاهدتُ قبل حوالي أكثر من أسبوع فيديو عبر اليوتيوب للكاتب الأوروغواني إدواردو غاليانو بعنوان "الحق في الحلم"، حيث تم تصوير هذا الفيديو قبل عام ٢٠٠٠ وفيه يسرد العالَم المثالي الذي يريد أن يعيش فيه في الألفية الجديدة. يقول في مقدمة الفيديو: "الحق في الحلم لم يكن من ضمن قائمة حقوق الإنسان التي أعلنتها الأمم المتحدة عام ١٩٤٨. لذا لنحلم بعض الوقت.. لنحلم" ثم بدأ بوصف العالم الذي يريد أن يعيش فيه؛ عالم مثالي كجنة ولكن بكل أسف ما يحدث في عالمنا اليوم عكس ما وصفه تماماً. هذا المقال ردي البسيط على كلمات ادواردو غاليانو العبقرية.

ما كسرنا سوى أحلامنا المثالية جداً يا غاليانو. حلمنا وحلمنا وحاولنا تطبيق هذا الحلم على أرض الواقع، أخرجنا هذا الحلم البريء والنقي من قلوبنا إلى العالم، وما إن بدأ يحبو خطواته الأولى وانطلق إلى الشوارع إلى أن دهسته السيارات وداست عليه أرجل المارة رافضة إياه لعدم منطقيته. تمنيتَ أن الكلاب تدهس السيارات في الشوارع بدلاً من حدوث العكس، ولكن آسف على القول أن حتى الأحصنة والقطط والأبقار والمواشي لم تسلم من وحشية الإنسان سواء بالتعذيب المباشر لمجرد المتعة أو بالتعذيب غير المباشر لغرض صناعة الطعام! لم يعد التلفزيون أكثر أعضاء العائلة أهمية مثلما تمنيت يا غاليانو ولكن تم استبداله بالهواتف الذكية التي تعطي وهم التواصل وما هذا التواصل سوى تجارة في أعين تجّار الوهم. ونحن جميعاً مشاركون في هذه المأساة فما إن يأخذ أحد منا فترة راحة من وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن يأتيه العتاب واللوم والاستغراب من الناس حوله، إذ لا طريقة للتواصل في هذا العصر سوى عبر الألياف البصرية! لا تزال الناس تعيش لتعمل بدلاً من أن تعمل لتعيش، حيث أصبح العمل عبودية القرن الحادي والعشرين، وأصبحت الناس آلات مبرمجة للذهاب يومياً إلى العمل مكررة ما تفعله برتابة وبغير تجديد. ومن يحاول الابتعاد عن هذا التقليد يلاقي السخرية والاستهزاء من المتعبين أنفسهم الذين يعانون من الرتابة. أي تناقض هذا يا غاليانو؟

أصبحت الناس في البلدان المنكوبة تشارك طوعاً في الحروب الأهلية، وهل نستطيع لومهم حقاً؟ أصبحت الحرب الحالة الطبيعية للبلد بدلاً من أن تكون حالة مؤقتة وشاذة. اللاجئون والمنفيون والمواطنون كلهم سواء، كل يعاني من غربته بطريقة أو بأخرى. أما أمنيتك لأولاد الشارع ألا يعاملوا كقمامة لأنه لن يكون هناك أولاد شوارع، فيؤسفني إبلاغك يا غاليانو أنهم لا يزالون يبيعون أحلام طفولتهم المتمثلة في الفوشار والحلوى عند إشارات المرور ومحطات البترول، وفي بلاد أخرى ليست بعيدة كثيراً عن بلادنا هم يجمعون القمامة ويبيعون منه ما قد يصلح للاستعمال. أنت ترى أن العدالة والحرية توأمتان سياميتان مجبرتان على الانفصال وتتمنى أنهما ستجتمعان مجدداً كتفاً على كتف. أما أنا فلا ألمحهما أبداً ولا أعرف أينهما وفي أي نواحي الأرض يسكنان. أو ربما هما أبداً متنقلتان إذ لا يوجدان بشكل مطلق في أي مكان، وفي هذا العالم الواسع، كم فرصة التقائهما يا غاليانو؟ لا أظنها عالية أبداً.

تمنيت أن تحكم امرأة سوداء البرازيل والولايات المتحدة، وإمرأة هندية غواتيمالا والبيرو. في هذا الجزء من العالم يا صديقي العبقري، لا يزال الناس يناقشون أحقية النساء في الإمساك بالحكم أو تولي منصب الإمارة أو القضاء ويتحججون بنقص عقولهن وضعف منطقهن وقوة عاطفتهن. أود أن أسألك وعموم الناس سؤالا صادقًا؛ ما الذي قد ينقذ البشرية سوى العاطفة الإنسانية والرحمة والحب؟ ذكرت بأنه يجب على الكنيسة أن تصدر وصية أخرى إضافة إلى الوصايا العشر وهذه الوصية هي "أحب الطبيعة التي أنت جزء منها". من فرط حب الناس للطبيعة في هذا الزمان أصبحوا يستعملونها كسلعة تسويقية لمنتوجاتهم الاستهلاكية فيعرضون صوراً لأبقار تتغذى من حشيش سويسرا الساحرة، في حين أن أبقارهم محبوسة في مصانع ضخمة! كانت أمنيتك، كأمنية كل الحالمين بوطن مثالي، هو المواطنة العالمية من غير اعتبار للجغرافيا أو الحدود أو الزمن. لنقل اختصاراً أن الحدود كثرت وحالت بيننا وبين المواطنة العالمية، فلم تتضمن ما ذكرت فحسب بل أصبحت تتضمن القبيلة والجنس والطبقة بل وحتى الوظيفة والمرتب المالي.

أتساءل بعد كل هذا، أمن فائدة من الحلم إذا كان بعيد المنال كأحلامنا؟ أو الأفضل ألا نحلم وألا نتوقع شيئاً من هذا العالم المجنون ونعمل حسب طموحاتنا الشخصية بغير اعتبار للعالم؟ لربما كل هذا يدعو للاستسلام والقعود واليأس، ولكننا هنا سواء شئنا ذلك أم أبينا، لنحلم إذاً، ولنعمل نحو تحقيق هذا الحلم ولو انكسر مرات عدة سنظل نلتقط فتاته من الشارع ونجمعه مجدداً ونغني له تهويدة لعله يهدأ ولا يرتاع، لعله يقوم.

_________________________
نُشر المقال في جريدة الرؤية بتاريخ 07 أبريل، 2014:

ترجمة الفيديو إلى العربية:

الاثنين، 24 مارس 2014

عن الإنسان الذي صال تيها وعربد


قد أتفهّم ألا يقبل الأب أن تتزوج ابنته العربية من رجل أمريكي الجنسية، للاختلاف الكبير في القيم والعادات. قد أتفهم ألا تقبل الأم أن يتزوج ولدها من امرأة مسيحية الديانة لخوفها من أن يتأثر الأحفاد. قد أتفهم أن يغضب كبير العائلة لزواج حفيدته من رجل غير عربي وسفرها معه إلى بلاده، ولكن ما لا أتفهمه ولن أتقبّله ما حييت هو عدم تقبل العائلة زواج اثنين لمجرد عدم تناسب القبائل.

تواجد مفهوم القبيلة في القرون الماضية في كافة أنحاء العالم شرقاً وغرباً، من الهنود الحمر في أمريكا الشمالية إلى القبائل الجرمانية في أوروبا إلى غيرها من التجمعات السكنية. وقد أتى مفهوم القبيلة عند العرب حين كانوا يعيشون في الصحارى القاحلة، فكونوا جماعات سميت غالباً على اسم المنطقة التي استقروا فيها. في ذلك الزمن كان الفرد يعيش حسب قوانين القبيلة، فإن خرج عنها تمّ نفيه وطرده. وهكذا تشكلت جماعة الصعاليك وهم ينتمون لقبائل مختلفة ممن رفضوا سلطة القبيلة فطردوا عنها وامتهنوا غزو القبائل. قد أتفهم في ذلك الزمن عدم رغبة الفرد في الخروج من حماية القبيلة بسبب طبيعة الصحراء التي تجعل من الصعب على الفرد أن يعيش وحيداً، وقد أتفهم افتخار الفرد بقبيلته بسبب كثرة الحروب بين القبائل وضرورة حس الانتماء الذي يجعل الفرد يدافع بشراسة عن قبيلته. ولكن الآن في هذا الزمن وبعد نشوء مفهوم الدولة ومفاهيم العولمة والمواطنة العالمية، أصبح من الصعوبة بمكان أن يتعصب الفرد لقبيلته ولنسبه، ناهيك عن كون ذلك مرادفًا لمفهوم العنصرية في زماننا.

لنسرد سيناريو يتكرر كثيراً في مجتمعاتنا؛ رغب محمد في الزواج بشريفة، زميلته في العمل، تقدم لخطبتها وبدا أن أهلها أحبوا أخلاقه وطموحاته والتمسوا فيه خيراً، فوافقوا على الزواج وباركوا لهما. تمّ تحديد المهر وموعد عقد القران وكل الأمور بدت أنها تمشي في الاتجاه السليم، إلى أن قرر أبو محمد أن يسأل قليلاً عن نسب شريفة، فذهب إلى شيخ طاعن في السن خبير بأمور القبيلة وأخبره باسم شريفة الكامل طالباً منه تبين حسبها ونسبها وأصل جدها الخامس عشر. طلب الشيخ أن يمهله بضعة أيام ليسأل ويتأكد من المعلومة المخيفة التي يعرفها في باطن ذاكرته، ثم رجع إليه بالخبر اليقين: عائلة شريفة ليس لها أصل معروف، قد يكونون من العرب، وقد لا يكونون، وهم منتسبين للقبيلة بالاسم فقط، وإنّ جدها الخامس عشر كان يعمل خادماً لدى القبيلة الفلانية، أو أنهم كانوا أسرى حرب وعوملوا معاملة العبيد. يحاول محمد إقناع أباه بأنّ ذلك من التاريخ العتيق وهو في حقيقة الأمر لا يهمه هذا الاختلاف كثيراً ولكن يرفض الأب رفضاً قاطعاً، وإلا ماذا سيقول النّاس؟ أني زوّجت ولدي بمن ليس لها أصل وأنا ابن القبيلة والحسب والنسب؟ تنتهي هذه القصة بنهاية معروفة ومتوقعة، رمى محمد آماله في الزواج بشريفة، مثلما ترمى الأحلام غير الواقعية في مكب الذاكرة، وتزوج ابنة خالته سارة وهو ربما سعيد في حياته بينما شريفة لا تزال ترفض كل من يتقدّم لها آملة في مستقبل يحقق آمالها.

دعوني أفكر بصوتٍ عالٍ حول أسوأ الاحتمالات التي قد تحدث إن رفض محمد قرار أبيه وتزوج شريفة. ستمر سنة زواجهم الأولى بصعوبة محتملة، كون الأب غير راضٍ وعائلته حانقة على هذا الزواج. سيعاملون شريفة بدونية وربما يتحدثون أمامها عن أصلها بشيء من اللؤم والتشفي. سيذكرونها في كل مناسبة بأن محمدا يستطيع الزواج بمن هي أحسن منها، وربما يذكرونها أيضاً بمساوئها الأخرى من قبيل أن طبق الأرز البرياني –الهندي الأصل– الذي تطبخه سارة ابنة خالة محمد ألذ بكثير من طبق شريفة. هناك احتمالان بعد هذه السنة الأولى للزوجين الحديثين، أن تمل شريفة من هذا الوضع البائس وتطلب الطلاق ليذهب كل منهما في طريقه، أو أن تصر على تحمل هذه التعليقات وتعمل على إنجاح زواجها رغماً عن الصعوبات. لاحظوا معي في كل الأحوال أن حقيقة أن عمل جدها الخامس عشر كخادم لم تؤثر بشكل مباشر على زواجها، لم تحدث أيّ حرب نتيجة شعور الجد بالإهانة بين قبيلة محمد وعائلة شريفة كحرب داحس والغبراء، لم تطالب عائلة محمد باستملاك شريفة نتيجة زواجها وتغيير قبيلتها، لم يحدث أيّ من ذلك، هي حرة وتعمل باستقلالية وأولادها أحرار ويدرسون ويعملون ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي. تكمن الصعوبة الحقيقية في ضغوطات المجتمع من حولهما، المجتمع الحاضر في هذا الزمن وليس الأجداد والأسلاف القدماء. بعد هذا السيناريو الوهمي، دعوني أحلم وأقول ماذا لو لم يحدث ذلك كله؟ لو لم تضطر شريفة لسماع هذه التعليقات التهكمية واللاذعة حول أصلها؟ لعاشت هي ومحمد في أغلب الأحوال بسلام ومودة.

حسب نظرتي المثالية نحو هذا العالم، أرى الإنسان كإنسان فحسب، بطموحات وآمال وأفكار وعواطف، وليس ببلده أو بأصله أو بجنسه أو بثروته الموروثة أو بكل ما لم يختره بنفسه. الإنسان محصلة اختياراته الشخصية، وكل ما عدا ذلك هو من حكمة الله وليس لنا يد فيه. لنذكر أنفسنا بأننا خلقنا من طين، وأن أبانا آدم وأمنا حواء، وكلنا في الحقيقة نعود إلى أصل واحد، لنذكر أنفسنا بقصيدة إيليا أبو ماضي "الطين" والتي يقول في مطلعها: نسي الطين ساعة أنه طين حقير فصال تيهاً وعربد. ربما – وهذه محض أمنية مثالية أيضاً ولكن لنحلم–، ربما سيصبح العالم أفضل إن سعى كل منّا إلى الابتعاد عن هذه العنصرية المقيتة وهذا التعصب الأعمى.

____________________________
نُشر  المقال في جريدة الرؤية بتاريخ 24 مارس، 2014:

الأحد، 16 مارس 2014

السيكولوجية من وراء "فعل القتل" والاعتزاز به


كيف نفهم سيكولوجية القاتل الفخور بفعلته؟ وهل التاريخ محايد أم أنه بالفعل يكتب من قبل المنتصرين؟ ما هو المنطق وكيف نفسر اختلافه الجذري بين فرد وآخر؟ إلى أي مدى تصل قسوة الإنسان وتبريره لقسوته هذه؟ ربما يستطيع أياً كان أن يبرر أي فعل لا إنساني بمنطق يجعل الجميع يتفق معه. كيف تتلاعب الحكومات والسلطات بأفكار الشعب وتجعلهم يؤمنون باللامنطقي واللاإنساني؟ كل هذه الأسئلة والأفكار كانت تتدفق في رأسي بشكل لا متناهي وأنا أشاهد الفيلم الوثائقي "فعل القتل" للمخرج جوشوا أوبنهايمر.

بدأت أحداث التطهير الشيوعي في إندونيسيا في أكتوبر عام 1965 بعد فشل انقلاب حركة 30 سبتمبر ويقدر أعداد المقتولين بخمسمئة ألف خلال أقل من عامين. تمخضت المنظمة شبه العسكرية "شباب بانكاسيلا" من هذه الإبادة الجماعية وإلى يومنا هذا لها أتباعها من الشعب والحكومة والذين يفاخرون بما حدث قبل حوالي خمسون عاماً. يقول قائد المنظمة في أحد الخطب الجماهيرية: "يقولون أن منظمة شباب بانكاسيلا هي منظمة عصابات، إن كانت كذلك فأنا أفخر بأني أكبر رجل عصابة". إذن لا محاكمات للقتلة، لا نصب تذكارية للموتى، لا اعتراف دولي بخطأ ما حدث، بل العكس من ذلك تماماً، هم يحكمون البلد ويعتبرون أنفسهم أبطالا قوميين. لا يتحدث فيلم "فعل القتل" عن هذه الأحداث التاريخية على وجه التحديد ولكنه ينقل لنا صورة ما حدث بطريقة مختلفة جداً عما اعتدنا عليه في الأفلام الوثائقية. التقى المخرج في عام 2005 بأنور كونغو، الأب الروحي لمنظمة شباب بانكاسيلا، والذي قتل بنفسه حوالي ألف من الشيوعيين، وأخبره أنه يريد تصوير فيلم عن هذا الحدث. يوافق أنور ومجموعة من أصدقاءه القتلة على تصوير فيلم يمثلون فيه كأبطال وكضحايا، ويكتبون نص السيناريو بأنفسهم، ويعيدون تصوير مشاهد قتلهم لضحاياهم. وبما أنهم شغوفون جداً ومتأثرون بالسينما الأمريكية الهوليوودية، فقد أرادوا تصوير مشاهد القتل هذه على أسلوب أفلامهم المفضلة؛ الويسترن ورعاة البقر، وأفلام العصابات، وأفلام الموسيقى الغنائية. ولكن ما لا يعرفوه وهم يصورون هذا الفيلم أن المخرج في الحقيقة يصور أيضاً انفعالاتهم وحواراتهم ويرصد أفكارهم ومشاعرهم، وأن الفيلم في الأصل يبحث في الأسباب الإنسانية والإجتماعية والسياسية التي تجعل من عملية الإبادة عملية مقبولة ومبررة، ويعطينا القدرة على استيعاب كيفية عمل عقول القتلة.


في أحد مشاهد الفيلم، يقوم هؤلاء القتلة بإعادة تصوير أحد طرق قتلهم لضحاياهم حيث يتم وضع الضحية ممدداً على الأرض – في هذه الحالة قاموا بوضع ما يبدو أنه كيس من الطحين – ويضعوا إحدى أرجل طاولة مربعة على رقبته، ثم يجلسون كلهم على الطاولة ويبدأون بالغناء إلى أن يموت. وفي مشهد آخر قاموا بإعادة تمثيل ما حدث لإحدى القرى الاندونيسية التي اغتصبوا نسائها وقتلوا رجالها وأطفالها. من فظاعة المشهد قامت إحدى البنات الصغيرات بالبكاء حين انتهى التصوير، فعاطفتها الإنسانية لم تتحمل الهلع رغم علمها بأن ذلك كله تمثيل. نهرها أباها – وهو مناصر للقتلة – وقال لها أنها تحرجه وهو يريدها أن تكون شجاعة وألا تبكي. يقول أنور كونغو: "لم كان علي قتلهم؟ كان علي فعل ذلك لأن ضميري أمرني بالقتل" ذلك المفهوم المسمى الضمير والذي نستعين به في العادة لإعلان الحواجز الأخلاقية كالعطف والرحمة التي تمنعنا من ارتكاب الأذى، هو نفسه المفهوم الذي استعان به أنور كونغو لتبرير فعل القتل الجماعي. في مشهد آخر نرى أنور كونغو المحب لأحفاده والعطوف بالحيوانات، فيجبر حفيده الذي كسر رجل بطة بالاعتذار لها وطلب المغفرة منها. ونرى طوال الفيلم أيضاً حبه للموسيقى والأفلام وتأثره بشكل خاص بمارلون براندو وآل باتشينو وأفلامهم. يحكي في مشهد آخر عن الرؤوس التي قطعها ولم يغلق أعينها، ويقول أن هذه الأعين التي لم يغلقها تطارده في منامه. إذاً نحن أمام إنسان حقيقي، لا شيطان أو وحش أو شخصية شريرة من فيلم أكشن، أنور كونغو إنسان حقيقي وعادي وطبيعي بجميع انفعالاته وعواطفه ومنطقه شئنا أم أبينا تصديق ذلك. وهذا ما يرعبنا ويزعجنا؛ القدرة المذهلة للإنسان الحقيقي على فعل الشر الخالص والتبرير له لنجد أنفسنا غير قادرين بعد ذلك على التعرف على ملامح وجهنا بقدر ما أصبحت مشوهة وأصبحنا نشك في وجودها وإنسانيتها.


لا يزال الخوف سيد الموقف إذ لا يجرؤ أحد على انتقاد ما حدث في تلك السنة حتى لا يصنف على أنه شيوعي ويحدث له ما حدث لهم. يحكي أحد طاقم الفيلم قصته في ما وراء الكواليس، كيف أنه حمل جثة زوج أمه الصيني الشيوعي بعدما قتلوه ورماه في النهر بمساعدة جده، ورغم أن ذلك حدث وهو ابن اثنتي عشرة عاماً إلا أنه يتذكر تلك الليلة بكل تفاصيلها. ثم تم نفي عائلات الشيوعيين إلى قرية مقفرة قريبة من الأدغال وهناك عاش بقية حياته. في نهاية سرده لقصته هذه، حرص على القول أنه لا ينتقد ما فعل هؤلاء القتلة الذين كانوا يستمعون إليه، هو فقط يريد إضافة قصته إلى الفيلم. ثم يخبرونه أنهم لا يستطيعون إضافة كل قصة يستمعون لها وإلا لما انتهى الفيلم، كما أن قصته معقدة جداً وستحتاج لأيام لتصويرها. ولكنهم لا يعلمون أن قصته أصبحت بالفعل جزءاً من الفيلم ورفضهم دليل عدم تقبلهم للقصة التي لا تناسب هواهم وحقيقتهم هم التي ينظرون إليها من زاوية أحادية. مع نهاية الفيلم نرى الأعداد الكبيرة من مجهولي الهوية – وهم على الأغلب من الجنسية الاندونيسية – الذين شاركوا في إنتاج الفيلم وفضلوا عدم الإفصاح عن أسمائهم.

في مقابل كل هذا الهول، يتخلل الفيلم باستمرار مشاهد طبيعية فائقة الجمال، والتي تجعل عواطف المشاهد في رحلة متقلبة بين الرعب والجمال، وكأنها تذكرنا بحنان الطبيعة في مقابل قسوة الإنسان. لم أستغرب حين عرفت في نهاية الفيلم أن المخرج الألماني القدير فيرنر هتزوج هو مدير الإنتاج، فلمسته كانت واضحة بشكل خاص في اللقطات الطبيعية وفي ثيمة الفيلم عن الشر الخالص.
"كان ذلك... جداً، جداً، جداً" لعل هذه الجملة التي قالها أنور كونغو تلخص مدى بشاعة ما حدث وهي في رأيي من أبلغ ما قيل في الفيلم كله، ألاّ يعرف كيف يصف هذا الهول سوى بكلمة "جداً" لأن كل الكلمات تبدو غير كافية للوصف. وأتسائل، مثلما أسأل القارئ: إن كنت في موضعهم، هل تثق بأنك لن تفعل ما فعلوا؟ إن أجبت بسرعة "نعم، أثق بأنه يستحيل علي القتل" أطلب منك عزيزي القارئ – بغير تحمل أي مسؤولية عن أي نوع من الأذى النفسي الذي قد ينتج إثر هذا القرار – أن تشاهد الفيلم، وربما ستفكر مرتين قبل هذه الإجابة السريعة.

_______________________
نُشر المقال في جريدة آراء الإلكترونية بتاريخ 16 مارس، 2014:

وجريدة الرؤية بتاريخ 17 مارس، 2014: