الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

"بركة".. الصورة والموسيقى كمرآة لوجه كوكبنا


بطاقة الفيلم:
 (1992) بركة
إخراج: رون فريك
كتابة: رون فريك ومارك ماجيدسون
موسيقى: مايكل سترنز
الجوائز والترشيحات: فاز في مهرجان مونتريال السينمائي بجائزة ال FIPRESCI

إذا سافر الإنسان عبر الكواكب وزار تلك الأوطان البعيدة عن الأرض وأخذ معه فيلم واحد يُعبر عن الإنسان والعالم الذي يعيش فيه ليكون هذا الفيلم مرآة الكائن الفضائي للتعرف على الأرض، لاستطعت القول، من وجهة نظر شخصية بحتة، أن هذا الفيلم من الممكن أن يكون فيلم "بركة". كيف قررتُ ذلك؟
فيلم "بركة" فيلم وثائقي من غير حبكة أو قصة أو سيناريو أو ممثلين أو حتى من غير تعليق صوتي أو حاشية كتابية. لكم أن تتخيلوا مدى اعتماد هذا الفيلم البصري على عاملين فقط: الصورة والموسيقى. تم تصوير الفيلم باستخدام تقنية التصوير المسرع (وقد اخترع المخرج كاميرا مجهزة بنظام التصوير المسرع  خصيصاً لهذا الفيلم) في ٦ قارات و٢٤ دولة و١٥٢ موقع مختلف حول العالم. رغم أنه قد يبدو مضجراً للبعض من الوهلة الأولى إلا أن الفيلم استطاع أن يتجاوز حاجز اللغة والجغرافيا ليقدم صورة سيمفونية بديعة لهذا العالم ومفهوم روحاني للثقافات والديانات المختلفة حوله. كلمة "بركة" كلمة صوفية من أصل عربي تعني النعمة أو جوهر الحياة، وفي الإسلام هي تلك النعمة المعطاءة من الله للإنسان والتي تستوجب الشكر والحمد، وهي كلمة موجودة في أكثر من لغة مثل اليهودية والفرنسية والسواحيلية وبنفس المعنى تقريباً، وهكذا يأتي الفيلم ليقدم رسالة واحدة عبر وسائط مختلفة تتمثل في ثقافات العالم وتتمحور كلها حول ماهية الحياة بالنسبة للإنسان والبيئة.
يتكون الفيلم من ثلاثة عناصر متشابكة: العنصر الأول هو الطبيعة غير الممسوسة من قبل الإنسان ويتجلى ذلك في مشاهد الغابات والبراكين والحيوانات والثلوج والشلالات وغيرها من مشاهد الطبيعة، أما الثاني فهو عنصر التكنولوجيا وأثره على الطبيعة والبيئة ويتجلى ذلك في كافة مشاهد المدن والحياة الصناعية، والعنصر الثالث وهو الأكثر إثارة بالنسبة لي هو الطقوس والعادات الدينية والمجتمعية المختلفة لشعوب العالم من جميع القارات. يقول المخرج رون فريك أن فيلم "بركة" هو: "رحلة لمعاودة الاستكشاف عبر الغوص في الطبيعة والتاريخ  والروح الإنسانية وأخيراً عبر الممالك السرمدية". وهو بالفعل من تلك النوعية من الأفلام التي يستحيل أن تخرج منها كما دخلت إليها إذ لابد على الأقل أن تسعى إلى معرفة المزيد.
قد يتساءل المشاهد في نهاية الفيلم تساؤلاً ينم عن الدهشة وحب الاستكشاف ويقول مثلا: أين هي تلك القبيلة الآسيوية التي تصلي جماعة عبر الانحناء والجلوس والوقوف بشكل متناغم في دائرة حول تمثال ويغنون معاً أغنية يكررون فيها كلمة "كاك" ولا نفهم نحن معانيها وقد لا نستسغيها ولكنها تثيرنا؟ ومصنع البيض ذاك الذي ينتج المئات، أين هو في الخارطة؟ وماذا تفعل تلك المرأة في ذلك المشهد الصامت إذ تبدو وكأنها ترقص ثم تصرخ وهي في "الكيمونو" بكامل زينتها؟ كل هذه الأسئلة لا نجد لها جواباً بمجرد مشاهدة الفيلم، ولكن يدفعنا لاحقاً حب المعرفة لنبحث في محرك البحث "جوجل" ونقرأ عن تلك الرقصة الجماعية حول التمثال مثلاً لنعرف أنها رقصة الكيكاك في جزيرة "بالي" والتي تصور معركة "رامايانا" في الملحمة الشعرية السنسكريتية. وسيخرج المشاهد أيضاً بفكرة سامية عن الكون والتعايش الإنساني إذ تترسخ فكرة أن الأرض للجميع مهما اختلفت الأعراق والديانات، وأن رقصة الدراويش الصوفية هي ذاتها رقصة الكيكاك، وأن الباليه هي ذاتها رقصة قبيلة الماساي الإفريقية - كلهم هدفهم واحد وهو الإرتقاء بالذات الإنسانية ومحاولة التقرب إلى الذات الإلهية عبر التناغم الطبيعي.
إذاً ماذا سيقول هذا الكائن الخارج من منظومة الكرة الأرضية إن شاهد هذا الفيلم؟ أننا - أي البشر - مذهلين باختلافاتنا وتنوع أعراقنا وعاداتنا وأن الأرض بديعة بتضاريسها وغضبها وحلمها؟ قد يقرر أن عالمنا عالم رائع حسب ما شاهد من مناظر خلابة وقد يقرر آخر أن المآسي التي تواجهنا من مجاعات وحروب كثيرة ويعتبر بذلك أن أرضنا تفتقر إلى الجمال والحب. لن يفهم عالمنا تماماً كما لا نفهمه نحن، ولكنه قد يصل إلى الاستنتاج الكوني وهو أن عالمنا - كما هو كوكبه بالضبط - عالم متوازن يحوي القبيح والجميل معاً وما علينا سوى التعايش بانسجام لتحقيق غاياتنا وأهدافنا.

______

نُشر المقال في صفحة سينما في جريدة الرؤية بتاريخ 3 يوليو، 2012

"طوق الحمامة المفقود"... رحلة عشق في فردوس الأندلس المفقود



بطاقة الفيلم:
طوق الحمامة المفقود (1991)
اللغة: العربية
إخراج: ناصر خمير
بطولة: نافين تشاودري ونينار إسبر

"ما من حلمٌ إلا وله مثيل"
كلمات بطل الفيلم حسن هذه لربما لخصت فيلم "طوق الحمامة المفقود" بأكمله، إذ يبدو الفيلم وكأنه حلم طويل عن أميرة ما وحب ضائع في صحارى وحارات الأندلس المفقود. فيلم "طوق الحمامة المفقود" من إخراج المخرج التونسي ناصر خمير، وهو الجزء الثاني من ثلاثية الصحراء والتي تتكون من فيلم "الهائمون"، وفيلمنا هذا، والفيلم الثالث "بابا عزيز". تتناول الأفلام الثلاثة جميعها ثيمة البحث عن شيء ما مفقود أو ضائع، فأبطال فيلم "الهائمون" يبحثون عن الكنز، وبطل فيلم "طوق الحمامة المفقود" يبحث عن ماهيّة الحب، وبطل فيلم "بابا عزيز" في رحلة للبحث عن الذات. سمة البحث المتواصل هذه تغذي القيمة الصحرواية لحب التجوال والمشي الدؤوب، وهي واضحة في ثلاثية الصحراء. أما الشيء الآخر الذي يميز هذه الثلاثية هو ذلك الشبه الكبير بينهم وبين قصص وفانتازيا سلسلة ألف ليلة وليلة، فهناك دائماً عامل الواقعية العجائبية الذي يدمج بين قصص الواقع والخيال والذي أبدع فيه بشكل خاص في عصرنا الحالي الكاتب اللاتيني غابرييل جارسيا ماركيز.
يعود فيلم "طوق الحمامة المفقود" إلى عصر ازدهار الحضارة الإسلامية في الأندلس - إلا أن المشاهد لا يعلم الزمان ولا المكان بشكل تحديدي للقصة -  ويبدأ بمشاهد للشاب حسن وهو يتعلم فن الخط العربي من شيخه، ولكنه ينكفئ على البحث عن مفردات الحب، إذ أنه يعلم أن هناك ست وستون معنى للحب، ما وجد منهم سوى أربعون وأكثر قليلاً. وفي يوم من الأيام يرى حسن وصديقه الصغير "زين" رجلاً يحرق الكتب، فينهره حسن المحب للكتب ولكن يصر الرجل على حرق الكتب "المسمومة". وفي خضم الجدل يهرب الصغير زين بورقة نصف محروقة ويندب الرجل حظ الطفل العاثر لأنه سيتسمم. وبعد ذلك يطلب حسن من زين الورقة المحروقة ويقرأ ما بها ويكررها طوال الفيلم: "الحب، أعزك الله، أوله هزل وآخره جد. في ليلة جائتني رؤيا: جاريتان مسنتان واقفتان وسط حوض فارغ ترشانه بقطرات ماء لعله يرتوي، وعلى حافة الحوض أميرة سمرقند تحدق بعينيها الواسعتين في رمانة حمراء" هذه الكلمات المنطلقة من سطور من كتاب "طوق الحمامة" لإبن حزم الأندلسي هي محور الفيلم ومنها يبدأ حسن رحلة البحث عن الكتاب المكمل لهذه السطور لأنه يجزم أن هذا الكتاب هو الذي سيكشف له معاني الحب.
فيلم "طوق الحمامة المفقود" تحفة بصرية وسمعية بديعة إذ يتمازج إبداع الصورة مع جمال الصوت المتمثل في إثنين: موسيقى الفيلم الذي يأخذك إلى سحر الشرق وعوالم الخيال، وذلك الشجو والغناء الغامض لأميرة سمرقند الذي يتردد طوال الفيلم مذكراً المشاهد بلوعة الحب والفراق. أما بالنسبة لإبداع الصورة فالفيلم لا شك يحمل العديد من الجوانب البصرية الجمالية، لا سيما أن الأحداث في حارات وصحراء الأندلس الجميل. فينتقل المشاهد بين الأزقة الضيقة والمساجد العامرة والمكتبات الصغيرة والحيل الكثيرة التي يقوم بها الباعة لجذب أنظار الناس إليهم، من قبيل بائع العطر ذاك الذي اتخذ من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "وأنا حُبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" وسيلة ترويجية لبضاعته.
بدءاً من طوق الحمام المفقود المتمثل ربما في رسائل الحمام الزاجل أو في الكتاب نفسه لإبن حزم الأندلسي، ومروراً بوالد الطفل زين الذي لا يعرفه ويبحث عنه واثقاً من مجيئه في يوم ما، وانتهاءاً بمعاني الحب الستين، يبدو أن سمة "الفقد" سمة أساسية في الفيلم. ومع نهايته المفتوحة، يُترك المشاهد ليتسائل: "هل حصلوا على ما يبتغون؟ هل فهم حسن معاني الحب؟ وهل التم شمل الأب بالإبن زين؟ وأميرة سمرقند.. هل توقف غنائها الشجي؟"


وصلات خارجية:
http://www.youtube.com/watch?v=PAjMSH7dQxs
الفيلم كاملاً على اليوتيوب..

______

نُشر المقال في جريدة الرؤية صفحة سينما بتاريخ 26 يونيو، 2012

الأحد، 12 أغسطس 2012

"برسبوليس"... عن ثورة تأكل أبناءها وطفولة صادرها الإستبداد


بطاقة الفيلم:
Persepolis (2007)
اللغة: الفرنسية
إخراج: فينسينت بارانود ومرجان ساترابي
بطولة: تشيارا ماسترويامي
الجوائز والترشيحات: ترشح لأفضل جائزة أوسكار لفئة أفلام الانيميشين

"يسقط الشاه، يسقط الشاه، يسقط الشاه"
وهي ترفع يدها وتجول في أنحاء منزلها وبحماسة بالغة، تغنّت مرجان ساترابي بهذه الكلمات وهي صغيرة أثناء الثورة الإيرانية، وبعدما علمت من أبيها مدى طغيان شاه إيران وأسباب إرادة الشعب لإسقاطه.
فيلم الرسوم المتحركة "برسبوليس" المقتبس من الكتاب المصور الذي يحمل نفس الإسم للكاتبة الإيرانية مرجان ساترابي يحكي قصة حياة الكاتبة وعائلتها الليبرالية أثناء الثورة الإيرانية لإسقاط الشاه وتولي الحزب الإسلامي الحكم وتحويلهم إيران من دولة علمانية إلى دولة تحكم السيطرة والاستبداد تحت راية الدين، ومن ثم الحرب الخليجية الأولى بين إيران والعراق. الفيلم يحاكي بشكل كبير الكتاب المصور من حيث تحويل الرسوم الورقية إلى رسوم حركية وهذا أضاف جانب طفولي إلى الفيلم مع الأخذ بعين الإعتبار أنه ليس للأطفال. فكأن الكاتبة أرادت أن توصل وجهة نظرها عبر استخدام العنصر الطفولي وهذا تكنيك معروف في السينما الإيرانية بشكل خاص. الفيلم يعتبر أيضاً فيلم درامي تاريخي عن هذه الحروب والثورات التي مرت بها إيران، وأثرها النفسي والاجتماعي على حياة الكاتبة، مع إضفاء لمسة كوميدية على أحداث الفيلم من خلال المواقف والتناقضات المضحكة.
يبدأ الفيلم بمشهد مرجان ساترابي البالغة وهي في المطار تستعد للرجوع إلى إيران. وفي كرسي الانتظار، يجول خيالها بعيداً وتتذكر طفولتها، وهنا تتغير الصورة الملونة إلى صورة بالأبيض والأسود. ويستمر الفيلم بهذا الشكل وكأنه مشهد فلاش باك طويل حيث تحكي فيه مرجان ساترابي قصتها للمشاهد: "أتذكر أني كنت أعيش حياة هادئة خالية من الأحداث وأنا صغيرة. كنت أحب البطاطا المقلية بالكاتشاب، وكان بروس لي بطلي المفضل، وكنت ألبس أحذية أديداس الرياضية، ولدي نوعين من الهوس: حلاقة شعر رجلي في يوم ما، وأن أكون آخر نبية على وجه الكون". وقد بدأت بالفعل بأداء دور النبية وهي صغيرة، فأخرجت تعاليمها الخاصة التي تقتضي باحترام الصغير والكبير وحب الجميع، وتخيلت أنها تحكي مع الله في مشهد طفولي أثار الكثير من الجدل واللغط في الأوساط الإسلامية بسبب تصوير الفيلم هيئة الله على أنه رجل ملتحي وحنون، وهي الصورة التقليدية في الأفلام والقصص عن الرب.
هناك شخصيتين رئيسيتين تؤثر في حياة مرجان وهما شخصية عمها وجدتها، اللذين رغم دورهما الثانوي إلا أنهما يشكلان التأثير الأكبر على فكر مرجان وسير حياتها. فعمها كان مسجوناً لفترة طويلة خلال حكم الشاه، ثم أخرجوه من السجن بعد الثورة ليأتي ويحكي لمرجان في مشهد مصور على طريقة الدمى المتحركة عن تاريخ شاه إيران وكيفية وصوله للحكم بمساعدات الولايات المتحدة الأمريكية. ما لبث العم آنوش إلا قليلاً في يد الحرية، حتى قبضوا عليه مرة ثانية، هذه المرة عبر الحكم الإسلامي، ليحكموا عليه بالإعدام ولتبقى ذكراه مع مرجان طيلة حياتها. أما جدتها، الشخصية الثانية المؤثرة على فكر مرجان، فقد أسست فكرة حب إيران وحب الآخرين في فكر مرجان منذ الصغر، وحين ودعتها في المطار وهي في طريقها إلى فيينا لاستكمال دراستها، قالت لها: "كوني صادقة مع نفسك" وظلت هذه الفكرة تطارد مرجان حتى كبرت.
تكاد جميع الثورات العالمية تنقلب من ثورة بإسم الحرية والعدالة إلى حكم إستبدادي بأيدي الثوار، وهي مرحلة طبيعية تمر بها معظم الثورات، والأمثلة على ذلك كثيرة ربما أبرزها الثورة الفرنسية وكيف مسك الثوار زمام الأمور بعد الثورة وأصبحوا يطلقون أحكام الإعدام على جميع من يخالفهم في الرأي، فكأن الناس خرجت إلى الشوارع لتتخلص من حكم مستبد، لتدخل في حكم مستبد آخر من نوع مختلف. وقد أوضح هذا بشكل جلي الكاتب جورج أورويل في روايته الشهيرة "مزرعة الحيوان" حول ثورة حيوانات المزرعة على صاحبها من أجل حياة كريمة، ومن ثم طغيان الخنازير في الحكم وعدم اختلافهم كثيراً عن طغيان صاحب المزرعة. ربما هذا ما أرادت الكاتبة والمخرجة مرجان ساترابي إبرازه من خلال هذا الفيلم التاريخي والكوميدي.

________________
نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية، يوم 12-يونيو-2012

"شجرة الحياة"... الإنسان الحائر بين طريق الرحمة والطبيعة


بطاقة الفيلم:
شجرة الحياة (2011)
اللغة: الإنجليزية
إخراج: تيرينس ماليك
بطولة: براد بيت، شون بين، جيسيكا تشاستين
الجوائز والترشيحات: ترشح لثلاث جوائز أوسكار كأفضل سينماتوغرافيا، وكأفضل فيلم، وكأفضل إخراج

قد تحبه كثيراً، أو تكرهه كثيراً. ربما ستفهمه وتحلل تفاصيله وتصل إلى مرحلة اقتناع أنك قد فهمت الفيلم، أو ربما ستجد أنه بلا معنى وبلا منطق وبلا حبكة. تباينت حوله الآراء بشكل كبير وذلك لاختلافه الواضح من التيار الهوليوودي الاعتيادي.
فيلم "شجرة الحياة" من إخراج تيرينس ماليك، وهو مخرج معروف بقلّة أفلامه وبإبداعها واختلافها في ذات الوقت. فقد أخرج الفيلم الشهير "الخط الأحمر الرفيع" بتعاون أيضاً مع الممثل القدير شون بين، وأخرج فيلم "أيام الجنة" الذي أنوي مشاهدته قريباً. لأفلام تيرينس ماليك طابع نفسي فلسفي بأسئلة لا متناهية عن الوجود والنفس الإنسانية، وهذا هو في الحقيقة ما جعلني أكون من فئة الذين أحبوه كثيراً.
يحكي فيلم "شجرة الحياة" عن عائلة أمريكية من تكساس مكونة من أب (براد بيت) وهو مهندس ومخترع وأم (جيسيكا تشاستين) وهي أم محبة مرحة وأولادهم الثلاثة في فترات مختلفة من حياتهم، بتركيز أكبر على فترة المراهقة. يبدأ الفيلم بسرد من الأم عن الطريق الذي يختاره الإنسان لنفسه في هذه الحياة، فهذا الطريق إما أن يكون طريق الرحمة أو طريق الطبيعة. طريق الرحمة لا يحاول إمتاع نفسه، ويتقبل النسيان والكراهية والإهانات بغير ضغينة، هو طريق العدالة والإنسانية، في حين أن طريق الطبيعة يحب السيطرة ودائماً ما يبرر الأحزان ويجد طريقاً لها حتى لو كان من حوله محباً ومضاءاً، وهو الطريق الذي يتبع قانون الغاب "البقاء للأقوى". في أحد مشاهد الفيلم يقول الأب عن نفسه، موضحاً طريق الطبيعة الذي اتخذه: "أنا لا شيء، انظروا إلى الألق من حولي، انظروا إلى الطيور والأشجار، أنا أهنتهم جميعاً ولم أعر لهم انتباهاً، أنا لم أنتبه إلى البهاء". هذه المقدمة المستوحاة من الفلسفة المسيحية تمهد المشاهد لشخصيات الفيلم التي تنقسم إلى هذين الطريقين، ومنذ البدء يعرف المشاهد أن الأم تتبع طريق الرحمة وأن الأب يتبع طريق الطبيعة، وأن الفتيان مشتتين بين هذا وذاك وبين صرامة الأب ووداعة الأم.
للفيلم جوانب عدة سأتناول كل منها على حدة، رغم ارتباطهم ببعضهم البعض، فهناك الجانب النفسي السايكولوجي، وهناك الجانب التجريدي الانطباعي، وهناك الجانب الفلسفي الوجودي. فمن الجانب النفسي يتجلى في الفيلم بوضوح مفهوم "عقدة أوديب" لمؤسس علم التحليل النفسي سيجموند فرويد، والمستوحاة من الأسطورة الإغريقية. فالإبن الأكبر "جاك" مفتونٌ بوالدته ومتعلق بها وممتعض من والده بل ويصل في أحد مشاهد الفيلم إلى أنه يتمنى لوالده الموت. وفي مشهد آخر يصرخ الإبن في وجه أبيه مشيراً إلى أمه: "هي الوحيدة التي تحبني" وهكذا يعيش الإبن في صراع مع نفسه طوال الفيلم ويبدأ يكتشف مساؤى أبيه ويحب أكثر فضائل أمه. أما من الجانب التجريدي والانطباعي فالفيلم يكاد يخلو من حبكة خطية بنقطة بداية ونقطة نهاية واضحين، ويستطيع المشاهد أن يلتقط أي مشهد قصير في الفيلم ويخلق منه قصة سردية متكاملة وطويلة. هنا أشير إلى بوستر الفيلم المصمم بشكل فسيفسائي عبر وضع عدة صور إلى جانب بعضها البعض، فالفيلم أيضاً يتكون من عدة صور بصرية بديعة يستطيع المشاهد أن يختار أي منها ويطلق لخياله العنان. كما يتداخل مع قصة الفيلم عدة صور لتكوين الأرض والفضاء والجزئيات والحياة الأولية للأرض والبحار، فكأن المشاهد ينتقل بشكل سلس من قصة هذه العائلة الأمريكية إلى فيلم آيماكس وثائقي عن تكوين الأرض والفضاء والبحار، بل وحتى عن حياة الديناصورات، ويمتد هذا الفيلم لحوالي عشرون دقيقة من مجمل الفيلم، ويأتي مع سرد فلسفي لأسئلة وجودية كثيرة من قبيل: "أين أنت؟ هل كنت تعلم؟ هل تشاهدنا؟ أين تعيش؟" وهنا يتداخل الجانب الفلسفي مع الجانب البصري للفيلم ويخلق تحفة بصرية بديعة. من ضمن العناصر الأساسية لتكوين الفيلم أو الثيمة الرئيسية هي ثيمة الموت، إذ يشكل علامة الإستفهام الأكبر في سلسلة الأسئلة المتكررة، ومن الجدير بالذكر أن كل الاسئلة السردية الموجهة إلى الله تأتي بصوت همسي لا عال، فتبدو الشخصيات وكأنها تناجي نفسها وتحدث ربها في السر، وتسأله ما قد يطري على ذهن أي إنسان في حالة المصيبة والموت.

_________________
نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية، يوم 5-يونيو-2012

"برسونا"... الصمت بديلاً عن الإنتحار


بطاقة الفيلم:
برسونا (1966)
اللغة: السويدية
إخراج: إنجمار برجمان
بطولة: بيبي آندرسون وليف أولمان
الجوائز والترشيحات: جائزة أوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 1966

"لقد قلت في وقت ما أن "برسونا" قد أنقذ حياتي، بلا أدنى مبالغة. كنتُ سأتلاشى إن لم تكن لدي الشجاعة الكافية لعمل هذا الفيلم. نقطة هامة أخرى أود ذكرها: وهي أني وللمرة الأولى لم أهتم كثيراً فيما إذا كان الفيلم سيحقق أرباحاً عالية أم لا" – إنجمار برجمان، المخرج.
يعتبر المخرج السويدي القدير إنجمار برجمان من أبرز صنّاع السينما حول العالم، بل قال عنه وودي آلان أنه "على الأغلب، أعظم فنان سينمائي منذ اختراع الكاميرا المتحركة" وقد تأثر برجمان بالعديد من كبار المخرجين حول العالم، أذكر منهم المخرج الإيطالي الشهير فيديريكو فيليني، والمخرج الياباني أكيرا كوروساوا، وأثّر هو بدوره على العديد من المخرجين المعروفين اليوم من أمثال فرانسيس فورد كوبولا (مخرج السلسلة الشهيرة العرّاب)، وستانلي كوبريك، ومارتين سكورسيزي. تمتاز أفلام برجمان بالتمحور حول ثيمات مثل المرض، والموت، والإيمان، والجنون.
أما فيلم "برسونا" فهو حتماً يجمع بين جميع هذه الثيمات الأربعة. كتب برجمان فيلم "برسونا" في خلال 9 أسابيع، خلال فترة علاجه من مرض الالتهاب الرئوي، ويقول عنه أنه أقرب أفلامه إلى قلبه. كان يود تسمية الفيلم في البدء "البعض من علم التصوير السينمائي" وذلك نظراً لاحتواء الفيلم على عدد من التكنيكات المهمة في صناعة السينما، ولكونه يستخدم أيضاً أقل عدد ممكن من الممثلين والأدوات. يبدأ الفيلم بمقدمة موسيقية حادّة مع عرض عدد من المشاهد السريعة والمتقطعة والمزعجة أيضاً، بغير أي رابط بينهم، ثم عرض أطول بعض الشيء لفتى يافع يستيقظ من نومه في غرفة بيضاء تماماً ثم يرى على الجدار ما يبدو وكأنه إسقاط لصورة مقربة لوجه امرأتين، هن بطلات الفيلم. هذه المقدمة البصرية تخدم فكرة من أفكار الفيلم، وكأنها تذكر المشاهد أنه يرى فيلم، لا حقيقة.
يتحدث الفيلم عن ممثلة مسرح إليزابيث فولجر، تؤدي دورها الممثلة ليف أولمان، فقدت قدرتها على الكلام فجأة ووسط مسرحية كانت تمثلها أمام الجمهور وتقوم بالعناية بها الممرضة آلما، والتي تؤدي دورها الممثلة بيبي آندرسون. للفيلم خمسة ممثلين فقط، ولكن أدوار ثلاثة منهم لا تتعدى الدقيقة - أي أن الفيلم بأكمله قائم على تمثيل شخصيتين رئيسيتين، إحداهن لا تستطيع الكلام! لكم أن تتخيلوا حجم الثرثرة التي تقوم بها الممرضة آلما مع تعابير وابتسامات ونظرات ممثلة المسرح إليزابيث.
لفيلم "برسونا" جانبين من وجهة نظري، جانب فلسفي عميق، وجانب شاعري بصري جمالي. لا يستطيع المشاهد أن يخرج من الفيلم إلا وقد تشرّب بمجموعة من الأفكار والهواجس والأسئلة اللامتناهية، فإلى جانب السؤال الرئيسي "لماذا توقفت إليزابيت عن الكلام فجأة من غير أي أثر لمرض عضوي؟" وتداعيات هذا السؤال وجذبه لأسئلة مختلفة عن الصمت ودوافع الصمت، هناك أسئلة سايكولوجية عميقة أخرى عن الحياة، والموت، والحب، والاختيار، والسؤال الوجودي الأزلي: "من نكون؟" تظهر في الفيلم لمدة قصيرة جداً الدكتورة التي ولّت أمر رعاية إليزابيث للمرضة آلما، وتقول: "أتفهم صمتها، ذلك الحلم اليائس عن أن تكوني، لا أن تمثلي، أن تكوني أنتِ. وذلك البعد والاختلاف بين من تكونين في حضرة الآخرين، ومن تكونين في حضرة نفسك، فكل انثناءة وكل ايماءة تبدو وكأنها كذبة، وكل ابتسامة تبدو وكأنها تكشيرة. الانتحار كوسيلة هروب؟ كلا، فالانتحار مبتذل وبذيء. ولكن بإمكانك أن ترفضي التحرك، أن ترفضي الكلام.. لكي لا تضطري إلى الكذب" مع مثل هذا الكلام الشاعري، يبدو الفيلم وكأنه قصيدة مناجاة فردية طويلة تتداخل فيها عدة عناصر وتتشابك عدة قصص. فرغم أن القصيدة على لسان الممرضة آلما، المتحدثة الرئيسية في الفيلم، إلا أن أنغام هذه القصيدة تربط الممرضة بالممثلة، ونعرف من خلالها قصة الممثلة وأسباب صمتها.

______________
نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية، يوم 29-مايو-2012

الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

"العروس السورية".. تكشف مأساة أهالي هضبة الجولان



بطاقة الفيلم:
العروس السورية (2004)
اللغة: العربية
إخراج: إيران ريكليس
بطولة: هيام عباس وكلارا خوري

لطالما كانت الفنون باباً مشرعاً على المشاعر الإنسانية النبيلة وترغم المشاهد على إثارة عواطفه بعيداً عن الإيدولوجيات السياسية أو الدينية أو المجتمعية، حيث يكون "الإنسان" وحب "الإنسانية" هو الدافع الرئيسي لإخراج أعمال فنية على مستوى عال وبهدف سام. وإن كانت القضية التي يناقشها العمل الفني قضية تمس المشاهد بشكل شخصي، وتتطرق إلى أحد همومه اليومية، حينها يميل المشاهد إلى شخصنة وتطبيع العمل، وبالتالي فهمه حسب مقتضيات قصته الخاصة، وتفسيره حسب المشاعر التي اعترته خلال مشاهدة هذا العمل.
يتحدث فيلم "العروس السورية" عن امراءة درزية اسمها منى، تؤدي دورها الممثلة كلارا خوري، من قرية مجدل شمس في هضبة الجولان، في يوم زفافها من ممثل دمشقي شهير. يوم زفافها، هو آخر يوم ترى فيها عائلتها. لأنها ستغادر هضبة الجولان إلى دمشق، ومن يغادر هضبة الجولان الواقعة تحت الإحتلال الإسرائيلي، لا يستطيع دخوله مجدداً. رغم القالب السياسي البحث للفيلم، إلا أنه يجبر المشاهد على التفكير فيه من ناحية إنسانية من غير الخوض في تفاصيل اللعبة السياسية الملعوبة من قبل الأطراف المختلفة سواء اتفقنا معها أم اختلفنا. وهذه هي المهمة الأساسية السامية للفنون المختلفة، إذ أنها تمحو الاختلافات وتجعلنا نركز على نقاط التشابه وعلى "الإنسان" قبل العرق، والدين، والقبيلة، والجنس.
تدور أحداث الفيلم على مدى يوم واحد، وفيه يستكشف المشاهد قصة عائلة بكل تفاصيلها المؤلمة والمضحكة معاً. فكل شخصية لها قصتها المعقدة وصراعها الخاص، سواء كان صراعاً مع السلطة، أو مع المجتمع، أو مع الدين، فمنى التي ستلتقي بزوجها لأول مرة متوجسة من هذا الزواج إذ أنه سيحول دون دخولها لهضبة الجولان مرة أخرى، وأختها آمال والتي تؤدي دورها بإتقان الممثلة الفلسطينية القديرة هيام عباس، هي أم لابنتين وخارجة عن عادات وتقاليد القرية إذ لها طموحاتها وأحلامها في تكملة دراستها، ويمنعها زوجها من ذلك حتى يكون هو دائماً صاحب السلطة الأعلى في المنزل. في حين أن أخاهم حاتم متزوج من امراءة روسية ولم يرى عائلته منذ 8 سنوات لأنه خرج أيضاً من عادات القرية، ويقرر الرجوع لحضور زفاف أخته منى وسط استنكار رجال الدين وتوّعدهم بعدم حضور الزفاف إن رأوا حاتم. كل هذه الشخصيات المجتمعة تمثل الحبكة الأساسية للفيلم، والملفت للنظر، أن الشخصية الرئيسية، العروس السورية منى، هي أقلهم تحدثاً وأكثرهم انطواءاً. فكأن المشاهد يفهم قصة منى عبر أختها آمال وأخويها حاتم ومروان، وأباها حمد.
إن تحدثنا من الجانب التاريخي والديني، فقد تم احتلال ثلثين من مساحة هضبة الجولان بعد حرب الأيام الستة عام 1967 من قبل اسرائيل، ويعيش مواطنوها تحت وطأة الهوية المزدوجة والأعراف الدينية المختلفة، فغالبية سكّان الجزء الخاضع للسلطة الإسرائيلية هم من الدروز والعلويين العرب واليهود. ويتجلى هذا في الفيلم في الصراعات الدينية مع الشيوخ الدروز من ناحية ومع السكان اليهود من ناحية أخرى. رغماً عن آرائنا المسبقة في الديانة الدرزية واليهودية وفي الاحتلال الاسرائيلي والموقف السوري من ذلك، ورغم أن المخرج اسرائيلي الجنسية، إلا أن الفيلم استطاع برأيي أن يمحي كل هذه الفروقات وهذه الآراء المسبقة ويجعلنا نتعاطف مع العروس السورية وعائلتها وقصتها، ونتسائل، كم من العائلات تشتت بسبب هذه الحروب السياسية؟ وهل نظرتنا الأحادية في أغلب الأحيان كافية لفهم واستشعار ما تعانيه جميع الأطراف؟

_________________
نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية، يوم 22-مايو-2012

الاثنين، 6 أغسطس 2012

"وداعاً لينين".. كوميديا سوداء عن سقوط جدار برلين


بطاقة الفيلم:
وداعا لينين! (2003)
اللغة: الألمانية
إخراج: ولفغانغ بيكر
بطولة: دانييل برو وكاترين ساس
الترشيحات: رُشّح لجائزة الغولدن غلوب لأفضل فيلم أجنبي، وأيضاً رشح لجائزة البافتا وجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي

لا تزال الجمهورية الديموقراطية الألمانية قائمة في شقة مساحتها 79 متر مربع، وإن سقط جدار برلين!
فيلم "وداعاً لينين" هو فيلم تراجيدي كوميدي يحكي قصة تأثر عائلة من ألمانيا الشرقية بسقوط جدار برلين وتوحد ألمانيا الشرقية والغربية عام 1989، وكيف أدى ذلك إلى تمثيلية كبيرة في شقة تلك العائلة. بعد أن شهدت كريستين كارنر وهي أم لطفلين مشاركة ولدها آليكس في مظاهرة ضد الحكومة الاشتراكية والقبض عليه من قبل عناصر الشرطة، تصيب الأم جلطة قلبية تقع على أثرها في غيبوبة تستمر لتسعة شهور، وحين تستيقظ أخيراً من غيبوبتها، كان كل شيء قد تغير وتوحدت ألمانيا الشرقية والغربية وسقط جدار برلين. خوفاً من تحذير الطبيب بأن الأم يجب أن لا يثيرها أي شيء وأن أي صدمة قد تتسبب في إصابتها بالجلطة مرة أخرى وتموت، يخطط آليكس بالتعاون مع أخته وصديقته وجيرانهم بإعادة كل شيء إلى ما كان، وكأن شيئاً لم يتغير وكأن ألمانيا لا تزال تحت راية الإشتراكية ولا يزال جدار برلين قائماً. وهكذا تبدأ سلسلة كوميدية من الأحداث الممتعة بدءاً من تصوير وتسجيل مقاطع فيديو إخبارية مزيفة وعرضها على التلفزيون وكأنها النشرة الإخبارية المباشرة ومروراً بالبحث في القمامة عن علب وقوارير لا تُباع في المحلات واختفت بعد سقوط جدار برلين، وانتهاءاً بمحاولاتهم اللانهائية في إبعاد كل ما يخص وضع ألمانيا السياسي الجديد عن الأم.
رغم أن الأحداث تقع في قالب كوميدي ممتع إلا أن للحنين والنوستالجيا ظهور طاغ في الفيلم وهذا يتجلى في عدة جوانب، فهو يبدأ بمقدمة موسيقية لطفلين يلعبان ويضحكان في حديقة منزلهم – يتبين لنا فيما بعد أن الطفلين هما آليكس وأخته – ويتميز هذا المشهد بتصويره في قالب كلاسيكي قديم، فالصورة ضبابية بعض الشيء، وموجودة ضمن إطار بشكل مضلع منحني الزوايا. بالإضافة إلى مشهد آخر لآليكس الصغير وهو يشاهد "سيجموند يين"، أول رائد فضاء ألماني، على التلفاز، وشعوره بالفخر والاعتزاز أن "سيجموند يين" من ألمانيا الشرقية. ترسم هذه المقدمة المعالم الأولية للفيلم ونعرف من خلالها أن هذه العائلة تفخر بكونها من ألمانيا الشرقية، وستحن فيما بعد للماضي الجميل وستحاول إعادته إلى ما كان عليه. حتى في خلال بحث آليكس عن نوع معين من المخللات لم يعد يُباع في الأسواق بعد سقوط الجدار، نرى أن المخلل يرمز إلى ألمانيا القديمة، ألمانيا الجميلة في نظرهم. كما أننا لا نغفل دور الموسيقى في إضفاء هذه اللمسة الحنينية للفيلم، فالموسيقى التي ألفها "يان تيرسن" وهو نفس المؤلف للفيلم الفرنسي الشهير "آميلي"، تمتاز باللحن اللطيف والإيقاع البطيء والمتكرر، وهذا أيضاً يخدم فكرة الفيلم ويتماشى بشكل جميل مع الجو العام.
إذا تطرقنا قليلاً إلى الجانب الفكري للفيلم، فهو من وجهة نظري يبعث إلى التفكير في الاستراتيجيات المتبعة في تصوير النشرات الإخبارية وفي سرد التفاصيل الإذاعية، وذلك من خلال بدء آليكس بتصوير مجموعة فيديوهات إخبارية مزيفة للأم. يرى المشاهد ألمانيا من عيون آليكس من خلال هذه التقارير، ألمانيا التي يريدها آليكس وتريدها الأم. فهذه التقارير لم تكن فقط لإقناع الأم أن الأوضاع لم تتغير، بل كانت أيضاً بمثابة التاريخ الذي يصنعه آليكس. وهنا نسأل، كم من الأفكار الاجتماعية والسياسية والدينية التي نتبناها كحقيقة لا مجال للشك فيها، كم من هذه الأفكار هي عبارة عن عدسة صوّرناها في أدمغتنا وصدّقناها وأصبحت تمثل واقعنا وتاريخنا؟ مثل آليكس، نحن قد نصنع التاريخ باستخدام عدسة داخلية تجعلنا نفخر في من نكون، وفي بطولاتنا التي قد تكون غير حقيقة أو غير موجودة.
ختاماً، فيلم "وداعاً لينين" فيلم يستحق المشاهدة، فإلى جانب كونه كوميدي وممتع فهو يضيف أيضاً مادة للتفكير والتأمل ويصوّر بطريقة واقعية مفيدة أحداث سقوط جدار برلين وأثر ذلك النفسي والاجتماعي على عائلة من ألمانيا الشرقية. تبقى نقطة أن اللغة الألمانية قد تكون ثقيلة على مسمع العربي وغير مستساغة ولكننا نستطيع تعدي هذه الإشكالية البسيطة إلى معنى الفيلم العميق وقصته الجميلة.


وصلات خارجية:
http://www.youtube.com/watch?v=-RxkxCj4cpc 
موسيقى الفيلم البديعة..

_______________
نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية، يوم 15-مايو-2012