الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

"84، شارع تشيرينج كروس"... رحيق لفراشات الكتب!


بطاقة الفيلم:
84، شارع تشيرينج كروس (1987)
اللغة: الإنجليزية
إخراج: ديفيد هيو جونز
بطولة: آنثوني هوبكينز وآن بانكروفت
الجوائز والترشيحات: فاز بجائزة البافتا لأفضل ممثلة، وبجائزة أفضل ممثل لمهرجان موسكو السينمائي

إلى جميع عشاق الأدب، وملتهمي الكتب... قد تستغربون إذ أن هذا النداء لا يليه في العادة إلا دعوة إلى معرض كتاب أو إعلان افتتاح مكتبة، وأنتم تعلمون أن هذه مقالة سينمائية، ولكن فيلم هذا الأسبوع "84، شارع تشيرينج كروس" هو بالضبط لهذه الفئة من الناس، وسوف نكتشف في السطور التالية السبب وراء ذلك.
"لقد قال لي صحفي منذ زمن أن السياح يذهبون إلى انجلترا بأفكار مسبقة، لذا هم دائماً يجدون ما يريدونه هناك، فرددت عليه قائلة: "إن ذهبت أنا إلى انجلترا، فسأبحث عن انجلترا الأدب الإنجليزي" فقال لي إذا ستجدينه بالضبط كما تريدين" – هيلين هانف
فيلم "84، شارع تشيرينج كروس" هو من إخراج ديفيد هيو جونز ومقتبس عن مسرحية مقتبسة عن رواية لهيلين هانف. الرواية المقتبسة عن قصة حقيقية مكتوبة بشكل سلسلة من الرسائل بين الكاتبة الأمريكية وصاحب مكتبة بريطاني اسمه فرانك دويل. تبحث الكاتبة عن مجموعة نادرة من الكتب الأدبية التي يصعب الحصول عليها بسعر منخفض في الولايات المتحدة، ثم تنتبه إلى إعلان في جريدة عن مكتبة في بريطانيا تبيع كتب نادرة وأثرية مستعملة، فتراسل المكتبة مرفقة مع رسالتها قائمة بـ"أكثر مشاكلها إلحاحاً" وهي تقصد بذلك أكثر الكتب التي تريدها بشدة، ولحسن الحظ تجد غايتها في هذه المكتبة ثم تبدأ سلسلة مراسلات بينها وبين صاحب المكتبة تتمخض على إثرها صداقة تدوم لـ 20 عاماً... صداقة بريدية على الورق والقلم، وبمعية الكتاب الأدبي دائماً.
يعتمد الفيلم على فكرة الحد الأدنى للمكان وللشخوص، فهو بالكاد ينتقل بين المكتبة في بريطانيا وشقة هيلين في نيويورك، كما أنه لا يتعدى حدود الشخصيتين الرئيسيتين بالإضافة إلى بعض أصدقائهما حولهما. وهو أيضاً يعتمد بشكل كبير على السرد لا الحوار، لأنه يدور بين قارتين وسيلة التواصل الوحيدة بينهما هي المراسلة! فنرى هيلين في نيويورك تكتب لفرانك وتقرأ رسالتها بصوت عالِ، ثم يرد عليها فرانك بنفس الطريقة – موجهاً نظره نحو عدسة الكاميرا وكأنها هيلين ويخاطبها عبر رسالته (وهنا يتجلى ذكاء الإخراج إذ لم يتقيد بأسلوب واحد لإيصال فكرة الرسائل). لا يوجد صراع حقيقي في الفيلم، وحتى مواضع المأساة، مثلاً، لم تصوّر بتلك الدرجة من الحدة بل صوّرت على أنها تكملة اعتيادية لمجريات القصة. ورغم أن علاقة الشخصيتين ببعض قد تُفهم على أنها علاقة رومانسية، إلا أننا بإمكاننا اعتبارها علاقة حب عذري لبعد المسافات بينهما ولعدم الإشادة بذلك صراحة في الفيلم – أراه كحب ناتج عن الاهتمامات المشتركة أكثر من أن يكون عشقاً وولهاً. كما أننا نرى تفاوت الشخصيتين واختلافهما فهذا صاحب مكتبة تكاد تكون حياته كلها رسمية وجادة، وهذه كاتبة عفوية في رسائلها وتحب المرح والدعابة، ويمثل تباينهما الاختلاف النمطي بين الشعبين البريطاني والأمريكي، وهذا واضح وجلي في الرواية كما هو في الفيلم. ولكنهما يلتقيان في نقطة واحدة وهي عشقهما اللامتناهي للأدب وكلاسيكيات الأدب الإنجليزي – روائياً وشعرياً. كل تفاصيل الفيلم هذه، قد يجعل المشاهد يتسائل، ألن يكون فيلماً مملاً؟! إن كنتَ من هواة أفلام الإثارة ولا تطيق صبراً على المشاهد الحوارية فلا أنصحكَ بمشاهدة هذا الفيلم، وإن كنتِ من هواة أفلام الرومانس والدراما التي تنتهي دوماً بـ "وعاشا سعيدين معاً" فلا أنصحكِ أيضاً بمشاهدة هذا الفيلم. فهو مختلف.
عندما شاهدتُ الفيلم أول مرة، كان ذلك في الجامعة قبل ما يزيد عن السنة، فبعد قراءتنا للرواية المكتوبة على هيئة رسائل، أراد لنا البروفيسور عبدالسلام البهبهاني أن نشاهد الفيلم. وهنا أغتنم الفرصة لأوصل شكري وعظيم امتناني له لتعريفي على مثل هذا العمل الرائع، ولكل ما قدمه لي من علم طوال سنين الجامعة. أول ردة فعل لي كانت "آنثوني هوبكينز... هانيبال لكتر؟! ذلك السيكوباتي السادي المضطرب عقلياً يمثل دور صاحب مكتبة بريطاني بشخصية جادة؟!" لم أستطع تخيل ذلك ولكن تبين لي أنه أتقن دوره وبجدارة وما زلتُ إلى اليوم أرجع إلى أحد مقاطع الفيلم في اليوتيوب حين يقرأ فرانك قصيدة ويليام بتلر ييتس: "هو يتمنى أثواب الجنة" – وذلك لإتقانه قراءة القصيدة ولكون القصيدة محببة إلى نفسي. الفيلم مليئ لمحبي الأدب بنقاشات حول مواضيع أدبية عديدة لعظماء الأدب الإنجليزي من أمثال ويليام بتلر ييتس وجون دون وجيفري تشوسر وهوريس وغيرهم. هو حتماً فيلم لمدمني الكتب والأدب... أو – مصطلح أحب استعماله – لفراشات الكتب!



وصلات خارجية:
http://www.youtube.com/watch?v=lNeq7Dakv_k
قراءة فرانك دويل لقصيدة ويليام بتلر ييتس "هو يتمنى أثواب الجنة"..
_________

نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية بتاريخ 2 سبتمبر، 2012

"زوربا".. ألم الفشل الذي لا يخففه سوى الرقص والموسيقى


بطاقة الفيلم:
زوربا اليوناني (1964)
اللغة: الإنجليزية
إخراج: ميهاليس كاكوجيانيس
بطولة: آنطوني كوين وآلان بيتس
الجوائز والترشيحات: فاز بثلاث جوائز أوسكار ورشح للعديد من الجوائز الأخرى

آلكسيس زوربا: إني أقدرك كثيراً يا سيدي إلى درجة أني لا أستطيع أن أكتم ما علي قوله، لديك كل ما يحتاجه الإنسان ما عدا شيء واحد: الجنون! يحتاج الإنسان إلى قليل من الجنون وإلا...
باسيل: وإلا ماذا؟!
آلكسيس زوربا: لن يتجرأ أبداً أن يقطع الحبل الذي يقيده... ويتحرر!

لربما الإقتباس أعلاه يلخص للمشاهد فكرة فيلم "زوربا اليوناني" بأكمله وشخصية زوربا المحبة للحياة والحرية. الفيلم من إخراج ميهاليس كاكوجيانيس وهو مقتبس عن رواية نيكوس كازنتزاكيس الشهيرة، وهنا من الممكن أن نطرح قليلاً عن جدلية الفيلم والرواية، فليس كل رواية ناجحة من الممكن أن تتحول إلى فيلم ناجح، كما في حالة رواية وفيلم "الحب في زمن الكوليرا" للروائي الشهير جابرييل جارسيا ماركيز، ولربما أكثر ما جعل الفيلم مقبولاً هو تمثيل خافيير باردم فقط، وفيما عدا ذلك فالرواية تتفوق بمراحل على الفيلم من ناحية السرد وعنصر التشويق وغيرها من الأمور. وفي أحيان أخرى، ربما في أحيان قليلة، يكون الفيلم ناجحاً بنفس مستوى الرواية ويستطيع أن يحدث التأثير ذاته، وهذا في حالة رواية وفيلم "أن تقتل عصفوراً محاكياً" للكاتبة هاربر لي الذي حقق انتشاراً واسعاً وجمهوراً معجباً على المستويين، وكما في حالة فيلمنا لهذا اليوم أيضاً.
يحكي فيلم "زوربا اليوناني" عن كاتب ومثقف بريطاني الجنسية من أصول إغريقية اسمه باسيل يقرر السفر إلى "كريت" لأن والده يمتلك قطعة أرض هناك وينوي استثمارها وتحويلها إلى منجم للفحم، وليستثمر وقته فيما قد يجلب له المال بدلاً من انتظار وحي الكتابة الذي انقطع عنه منذ زمن. يلتقي في الميناء وهو يقرأ "الكوميديا الإلهية" لدانتي برجل غريب الأطوار اسمه آلكسيس زوربا الذي يقنعه بتوظيفه لأنه طباخ ماهر وقد عمل في منجم منذ زمن. يُعجب باسيل بشخصية هذا الرجل ورغم أنه لم يكن متأكداً أنه سيستطيع مساعدته بالفعل كما يزعم إلا أنه قرر أخذه معه في رحلته إلى كريت. وهكذا يذهبان معاً إلى كريت ويسكنان في شقة تابعة لعجوز فرنسية أرملة اسمها مدام هورتينس، ويلقبها زوربا "بوبولينا"، وتسري الأحداث في هذه القرية الصغيرة في كريت بين زوربا وباسيل وبوبولينا وعمّال المنجم مع حدوث تطورات عديدة في الفيلم أتركها للمشاهد ليتمتع باستكشافها وحده.
شخصية زوربا مثيرة للإعجاب حقاً، فكل من شاهد الفيلم أو/و قرأ الرواية، لا بد وأن يطمح إلى أن يشبه زوربا ولو بالشيء القليل، فهو محب للحياة ومرح ويعتبر الجنون أمراً ضرورياً ويرقص في لحظات الحزن والمأساة قبل الفرح، يرقص رقصته الشهيرة تلك التي أصبح يضرب بها المثل حين يتحدث أي شخص عن الرقص اليوناني. في حين أن شخصية باسيل هي على النقيض تماماً، فهو ذلك الرجل العقلاني والكاتب الشاعري الذي يفكر كثيراً ويحزنه حال الكثير من الأمور، ويتريث قبل أن يقدم على فعل أي شيء فيحده حذره وخوفه. كأنهما يمثلان آلهة الإغريق أبناء زيوس أبولو وديونيسيوس، وهذه نظرية معروفة لمن درس الأدب والفلسفة، بدأها الفيلسوف الألماني نيتشه في كتابه "مولد التراجيديا" الذي يورد فيه أن اتحاد ابولو وديونيسيوس هو ما يوّلد الآداب والفنون التراجيدية، فإن اتحد هذين الإلهين الذي يمثل كل منهما طباع نقيضة، ولد الأدب والفن والتراجيديا. وهذا بالفعل هو حال فيلم زوربا، فاتحاد زوربا الذي يمثل ديوينسيوس إله الجنون والنشوة والفرح وباسيل الذي يمثل أبولو إله المنطق والعقل والشعر هو ما جعل هذا العمل الروائي والسينمائي مميزاً ومحبباً ومؤثراً لدى الكثير من الناس.
أشبه فيلم زوربا بقصيدة غنائية تتحدث عن الحياة، ولربما "رباعيات الخيَّام" بصوت المغني الفارسي محمد رضا شجريان هو أقرب ما توصلت إليه وما يشابه الفيلم وفكرته، فهو أنشودة في معنى الحياة وفلسفة الفرح، وإن تخلل هذا الفرح شيء من حزن الموت ومرارة الفقد وأسى الفشل – كما يحدث في الفيلم – فربما الرقص على طريقة زوربا كفيلة بتخفيف ولو بعض الألم.


وصلات خارجية:
http://www.youtube.com/watch?v=jeNsr_nQEfE
رقصة زوربا الشهيرة..

http://www.youtube.com/watch?v=j2W2lubMaXw
تأثير الفيلم ورقصة زوربا في إحدى مدن اليونان.. أنصح بمشاهدة الفيديو، ملهم جداً..
___________

نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية، بتاريخ 28 أغسطس، 2012

"وال-إي".. لكي لا يصبح أحفادنا كائنات كسولة وثرثارة!


بطاقة الفيلم:
WALL-E (2008)
اللغة: الإنجليزية
إخراج: آندرو ستانتن
بطولة: بين بيرت، إليسا نايت، جيف كارلين
الجوائز والترشيحات: فاز بجائزة أوسكار في فئة أفضل فيلم رسوم متحركة، وبجائزة الكرة الذهبية في نفس الفئة، وفاز أيضاً بجائزة فيلم السنة في حفل توزيع جوائز معهد الفيلم الأمريكي (AFI)

المشهد الأول: في عام 2805 مستقبلاً، تبدو الأرض بالرغم من كثرة ناطحات السحاب وتوفر كل وسائل الراحة التكنولوجية، غير صالحة للعيش، فالنفايات ممتلئة في كل مكان، والتربة مسممة، والنباتات اختفت.
المشهد الثاني: في عام 2805 أيضاً، سفينة فضائية تحمل كل سكان الأرض، يتحركون بواسطة كراسي طائرة حتى فقدوا قدرتهم على الوقوف وأصبحوا مفرطين في البدانة والكسل، يأكلون ويثرثرون طوال الوقت، وتتحكم في معيشتهم روبوتات مطورة.
تكاد التكنولوجيا تستحوذ على حياتنا حتى أصبحنا نظن أننا لا نستطيع العيش من غيرها، أن حياتنا ستتوقف ومشاريعنا ستتعطل إن لم يكن معنا جهاز الآيفون أو الجالاكسي. فمن بعد ما كانت الأرض في القدم تمشي على رتم بطيء متناغم مع رتم الطبيعة، وكانت وسائل الاتصالات محدودة ووسائل توفر المعلومات مقتصرة على الكتب، أصبح التواصل يتم في أقل من دقيقة بين من يعيش في أقصى شرق الكرة الأرضية، ومن يعيش في أقصى غربها. هذا مما لا شك فيه يسهل العديد من الأمور ويفتح باباً لا يُغلق حول مدى التطور التكنولوجي الذي وصلنا إليه، ولكننا بحاجة من وقت إلى آخر إلى خفض السرعة – ليس تجنباً للحوادث فحسب، بل لنقترب أكثر إلى بعضنا البعض ولنحقق بذلك تناغماً بيئياً مع الأشياء من حولنا.
هذا هو ما نستخلصه من فيلم التحريك "وال-إي"، من إنتاج شركة بيكسار. حاز الفيلم على جوائز عديدة، وقد حاز – على غير العادة – على إعجاب جميع النقاد والمشاهدين (نظراً للفجوة القائمة عادة بين الأفلام التي تحوز على إعجاب النقاد ولا تعجب الجماهير، والعكس). إذاً هو فيلم للجميع، نقاداً وجماهير، صغاراً وكباراً، نساءاً ورجالاً. وأستطيع أن أقول بثقة، أنه حتماً من أجمل أفلام التحريك. ما الذي يجعلنا نُعجب بهذا الفيلم إلى هذا الحد؟!
في عام 2105، قرر سكان الأرض الهرب إلى الفضاء لأن الأرض أصبحت غير آهلة للعيش نظراً لكثرة النفايات والبيئة الملوثة. تركوا ورائهم روبوتات مصممة للتخلص من النفايات، فهي تجمع النفايات، وتضعهم داخل بطنها – إن اعتبرنا أن لها بطوناً – ويضغطون عليها حتى تصبح أصغر حجماً على هيئة مكعب، ثم يضعونها في أكوام مكومة أصبحت كناطحات السحاب في طولها ومن فرط النفايات. بعد مرور 700 سنة، وفي عام 2805 لم يتبقى من هذه الروبوتات المسماة "وال-إي" إلا واحد استطاع أن ينجو لأنه طوّر نفسه بحيث استعمل قطع من النفايات لترميم أي عطل يصيبه. وال-إي يعيش حياة روتينية، فهو مبرمج ليصحو صباحاً ليجمع النفايات اللامتناهية، ثم يرجع ليلاً إلى ما يمكن اعتباره منزله لينام بعد أن يتأمل في ممتلكاته الشخصية التي هي عبارة عن نفايات مميزة جمعها طوال الـ700 سنة. تعوّد سكان الأرض أن يرسلوا كل سنة روبوت مصمم للبحث عن أي أثر نباتي للحياة في الأرض، فهم يأملون أنه حالما تجد هذه الروبوت أي نبات، ستصبح الأرض مؤهلة للعيش وسيرجعون من منفاهم الفضائي. وصدفة، يجد وال-إي قبل مجيء هذه الروبوت المسماة "إيفا" نبتة صغيرة بين كومة النفايات، فيحتفظ بها مع كنوزه الأخرى. ومع تطور الأحداث، وفي مغامرة ستغير من مجرى الحياة، يذهب وال-إي مع إيفا إلى السفينة الفضائية لنشهد لأول مرة في الفيلم كائنات ناطقة باللغة الإنجليزية – كائنات بدينة كسولة ثرثارة هي بقايا إنسان.
هناك العديد من العوامل الجذابة في الفيلم التي تجعله من أجمل أفلام التحريك، فالكلام والحوار قليل مما يمكّن حتى غير الناطقين باللغة الإنجليزية من مشاهدة الفيلم من غير حاشية مترجمة، وفهمه. فاللغة هنا غير معترف بها كحاجز بين الإنسان والآخر. هناك أيضاً طريقة الإخراج البديعة التي اهتمت بتفاصيل صغيرة لها الأثر العظيم، فمثلاً، وال-إي لا يملك فماً للكلام، بل يملك عينين كبيرتين تعمل كأداة كاميرا، وقد أبدع فريق إنتاج الفيلم في تصوير هاتين العينين فمن خلالهما نفهم مشاعر وال-إي ونعرف متى يحزن ومتى يحب ومتى يفرح، حتى أصبحنا نظن أنه – وهو الروبوت الآلي المبرمج – أقرب إلينا من سكّان السفينة الفضائية. وهناك أيضاً موسيقى الفيلم الجميلة التي تجمع بين صفة الخيال العلمي والسحر والجمال، وأصنفها شخصياً من بين أجمل ما سمعت في موسيقى الأفلام، خصوصاً في ذلك المشاهد الساحر الذي يرقص فيه وال-إي في الفضاء بمساعدة طفاية الحريق مع إيفا. حتى طريقة عرض أسماء القائمين على العمل نهاية الفيلم استثنائية وبديعة فقد حكت قصة الإنسان والأرض باستخدام مختلف الفنون التي عرفها الإنسان مثل الفسيفساء، وطريقة رسم الفراعنة، وأسلوب فان جوخ، وغيرها.
يبين لنا "وال-إي" أن نبوءة تي إس إليوت في رائعته "الأرض الخراب" قد تتحقق بعد حوالي 800 سنة من الآن، مثلما تحققت نبوءة الرسام الفرنسي فيلمارد عندما رسم سلسلة رسومات عام 1910 تنبأ بحال الأرض في الألفية الثانية، وبخيال واسع، تنبأ فعلاً بالكثير مما يحدث اليوم. فلنعمل إذاً حتى لا يصبح أحفادنا من بعدنا كائنات بدينة كسولة وثرثارة.


وصلات خارجية:
http://www.youtube.com/watch?v=PB9FltZf_70
طريقة عرض أسماء القائمين على الفيلم..

http://www.youtube.com/watch?v=P8sUVhR7xjE
رقصة وال-إي وإيفا مع موسيقى الفيلم..
_____________

نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية بتاريخ 25 أغسطس، 2012

"كليو".. هل يشفع الجمال أمام الموت المتربص؟!


بطاقة الفيلم:
كليو من الساعة الخامسة إلى السابعة (1962)
اللغة: الفرنسية
إخراج: آنيس فاردا
بطولة: كورين مارتشاند، آنطوان بورسيلير، دومينيك دافري

تنعم بكل مظاهر الرفاهية والترف، قبعة من صوف، سرير فاخر بوسائد من ريش، قطط مدللة، أرجوحة معلقة في غرفتها.. هي المغنية الفرنسية الشهيرة كليوباترا فيكتوري، "كليو" اختصاراً. وهي من تحدث نفسها في المرآة: "القبح نوع من أنواع الموت" ثم تبتسم فخراً لأنها جميلة، إذاً هي لن تموت.
فيلم "كليو من الساعة الخامسة إلى السابعة" من إخراج المخرجة الفرنسية آنيس فاردا، وهي تُعتبر من روّاد الموجة الفرنسية الجديدة – جنباً إلى جنب مع جان لوك جودار وفرانسوا تروفو وغيرهم – والتي جاءت تمرداً على كلاسيكيات السينما السردية بتكنيكات راديكالية في الإخراج، والتنفيذ، وطريقة السرد التي تفضي بالعادة إلى نهاية مفتوحة بأسئلة من غير أجوبة.
تصوّر لنا آنيس فاردا حياة كليو خلال ساعة ونصف قبل أن تعلم نتائج اختبار طبي لمرض السرطان أجري لها قبل مدة ، فهي تزور عرّافة لتقرأ لها مستقبلها، ثم تتجول في شوارع باريس تشرب القهوة وتندب حظها، ثم تقرر شراء قبعة من صوف بعدما جربت أنواع القبعات المختلفة، وتتدرب على أغنية جديدة لها مع صديقها كاتب الكلمات، وتلتقي بحبيبها ثم صديقتها، وتتحدث مع سائق التاكسي... هو فيلم مغرق بالتفاصيل خلال ساعة ونصف من حياة كليو، فهو لا يستخدم الزمن الافتراضي المسرّع مثل معظم الأفلام، بل يستخدم الزمن الحقيقي – فساعة ونصف من حياة كليو يقابله ساعة ونصف من مدة الفيلم.
يناقش الفيلم ثيمات حول فلسفة الوجود والفناء ومعنى الحياة، ويصور كل ذلك عبر أحاديث كليو مع نفسها أو مع الناس من حولها، أو حتى باستخدام بعض التكنيكات البصرية في الإخراج. فمثلاً، المرايا صورة بصرية رمزية تتكرر كثيراً طوال الفيلم، المرايا التي تعكس وجه كليو وشعرها وعينيها – إذ أننا نرى مجمل الفيلم من وجهة نظر كليو الشخصية البحتة. تكرار استخدام المرايا في أكثر من مشهد يكرس مفهومين، النرجسية وفهم الذات، وأظن أن المشاهد الأولية من الفيلم هي مشاهد لنرجسية كليو، في حين أن المشاهد الأخيرة هي في فهم الذات وتقبل مصيرها. وهذا هو التغيير الذي يطرأ على شخصية كليو من بداية الفيلم إلى نهايته، فهي تمر بعدة أمور في مجريات الفيلم مما يدفعها إلى تغيير طريقة تفكيرها من النرجسية والاستعلاء والسطحية إلى قهم أعمق لمعنى الحياة. وفي مشهد البداية، وهو مشهد بالغ الأهمية، حيث تذهب كليو إلى العرافة لتقرأ لها مستقبلها، يتم تصوير بطاقات اللعب التي تستخدمهم العرافة للتنبؤ بمستقبل كليو بالألوان، وحين تغير عدسة الكاميرا اتجاهها لتصور كليو بدلاً عن البطاقات مثلاً، ترجع الصورة بالأسود والأبيض. فمشهد البطاقات هو المشهد الملون الوحيد في الفيلم بأكمله – مما قد يعطي انطباعاً بأهمية القضاء والقدر، فالبطاقات تمثل المستقبل المرسوم والمكتوب مسبقاً.
تحاول كليو عبثاً الارتباط بمحيطها ومحاولة إيجاد من قد يفهمها، فبين مساعدتها التي تؤدي دورها في مواساتها ببرود، وحبيبها الذي يأتي لملاقاتها نادراً، وصديقتها التي تحبها ولكنها مأخوذة بمشاغل حياتها الخاصة – لا تدخل كليو في أي حوار حقيقي سوى في المشاهد الأخيرة للفيلم حين تلتقي بـ"آنطوان" ذلك الجندي الغريب في الحديقة، فكلاهما خائف من المستقبل، كليو من النتائج الطبية لتشخيص مرضها، وآنطوان من الرجوع إلى الجزائر لتأدية دوره كجندي في الحرب. كلاهما بطريقة ما، يقلقهما هاجس الموت، بمرض أو برصاصة. إذاً هل سيشفع لكليو جمالها أمام مرض السرطان؟ هل صوتها الشجي سيحميها من براثن المرض؟ أو ربما لو أعدنا صياغة السؤال بشكل آخر ونقول: هل تستطيع كليو التغلب على المرض بتحكمها في طريقة نظرتها للأمور؟ ربما لن نعلم ذلك أبداً، تماماً كجهلنا لمسار حياتنا وما قد يواجهنا طوال هذه الرحلة الطويلة، وما علينا سوى الثقة والمضي والحركة دوماً، ما علينا سوى محاولات متكررة لعدم التوقف.


وصلات خارجية:
http://www.youtube.com/watch?=1&v=JBxTVOxXSDA
أحد المشاهد الموسيقية في الفيلم..
_________

نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية، بتاريخ 7 أغسطس، 2012

"إنها لحياة رائعة".. على هذه الأرض ما يستحق الحياة!


بطاقة الفيلم:
إنها لحياة رائعة (1946)
اللغة: الإنجليزية
إخراج: فرانك كابرا
بطولة: جيمس ستيوارت، دونا ريد
الجوائز والترشيحات: رشح لخمس جوائز أوسكار، وفاز بجائزة الكرة الذهبية لأفضل فيلم.
"ألا يبعث على الدهشة أن حياة إنسان واحد تمس العديد من الناس حوله؟ وعندما يغيب، فإنه يترك أثراً لا يُمحى، أليس كذلك؟" هذه الكلمات التي نطقها الملاك كلارينس ربما تلخص فيلم "إنها لحياة رائعة" الذي يعتبر من تلك الأفلام التي كلما شاهدتها أكثر، كلما أحببتها أكثر. هو فيلم لا يموت ولا يُمل منه لأنه ببساطة يحمل معاني عميقة عن الحياة تصلح لكل الأجيال وكل الأعمار. ربما تتلخص هذه المعاني في الحقيقة الواحدة التالية: وهي أن جميع البشر، بشكل أو بآخر، ومهما ارتفع أو قل شأننا ومالنا وعملنا، جميعنا لدينا القدرة على إحداث التغيير الإيجابي في محيطنا. قد لا ندرك ذلك، ولكن هي أفعالنا الصغيرة وكلماتنا البسيطة التي تستطيع إحداث التغيير. الفيلم يرد على ذلك السؤال الذي طالما تردد على لسان الكثير من الناس: "كيف سيكون العالم لو لم أكن موجودا؟"
أراد طيلة سنين شبابه أن يخرج من مدينة بيدفورد فولز الصغيرة ليرى العالم من حوله، ليغامر ويعيش حيوات كثيرة، ولكن يمتنع بطل الفيلم جورج بيلي عن السفر لسبب أو آخر، مثل التزاماته العائلية ووظيفته في مؤسسة للقروض ورثها عن أبيه. ما لا يدركه جورج بيلي في لحظة يأس أن حياته رغم رتابتها وهدوءها قد أثرت على حياة الكثيرون من حوله – وهذا ما دعى الرب إلى إرسال الملاك كلارينس إلى جورج بيلي ليريه كيف كانت ستكون الحياة في تلك المدينة لو لم يلد.
يبدأ الفيلم بمشهد لطيف لأطفال جورج بيلي وهم يدعون الله أن يعين أباهم على تحمل مصابه، ثم ينتقل الفيلم إلى السماوات العليا حيث يقرر الملكين فرانكلين وجوزف أن يعيّنا الملاك كلارينس لإنقاذ جورج من الإقدام على الإنتحار، وحتى يتعرف كلارينس على جورج بيلي أكثر، يستعرض الملكين عليه شريط حياته. وهكذا يتعرف المشاهد على جورج بيلي الصغير الذي أنقذ أخاه الأصغر من الغرق وفقد نتيجة لذلك حاسة السمع في إحدى أذنيه، وعلى جورج بيلي الشاب الذي تمنى الدراسة في الخارج والتجوال حول العالم ولكنه يعطي هذه الفرصة لأخيه بدلاً منه، وعلى جورج بيلي زوج ماري وأب لثلاث أطفال ومالك مؤسسة قروض لإعمار المنازل.
يصف مخرج الفيلم فرانك كابرا هذا الفيلم بأنه الأقرب إلى قلبه، وكذلك جيمس ستيوارت يصف دوره في الفيلم بأنه أهم دور قدمه في حياته، وذلك مفهوم حين نرى الرسالة العظيمة والملهمة التي يحملها الفيلم بين ثنياته، وأكاد أجزم وأقول أن كل من شاهده، فهو على أقل تقدير يدخل ضمن قائمته الشخصية لأفضل 20 فيلم شاهده في حياته. ما يميز هذا الفيلم ويجعل كل من شاهده يحبه هو قدرته المذهلة على استخراج كل ما فينا من المشاعر المتناقضة، ففي المشهد الذي يقع فيه جورج بيلي وماري هاتش في حوض السباحة وهما يرقصان معا سنضحك كثيراً، وفي المشهد الذي يضرب فيه الصيدلاني جورج بيلي الصغير قد نبكي أو نشعر بالشفقة عليه، وفي مشهد آخر سنبكي فرحاً من التأثر. بعض المشاهد قد تكون مملة بعض الشيء في حين أن بعضها الآخر مثيرة إلى درجة أنك ستتحدث مع نفسك ترقباً لما قد يحدث، فهو بالفعل يأخذك في جولة مدهشة من المشاعر المختلطة. أما الذي ساعد في إثراء هذه الجولة بالإضافة إلى السيناريو المدهش فهو حتماً تمثيل جيمس ستيوارت الذي أدى دور جورج بيلي بجميع تجلياته وحالاته النفسية، فنحن نرى جورج الشاب المفعم بالحياة والمرح، وجورج البائس المقدم على الانتحار، وجورج المضحك والمشاغب، وجورج الغيور على أبيه، وجورج الرومانسي والحالم، كل ذلك في قالب بديع من شخصية جورج الإنسان الذي يحبه الجميع، إلى أن أصبح جورج بيلي إحدى الشخصيات التي تلهمني لإنسانيتها، جنباً إلى جنب مع شخصيات حقيقية أخرى كغاندي وتشي جيفارا وإدوارد سعيد وغسان كنفاني وغيرهم.
 عندما انتهيت من مشاهدة فيلم "إنها لحياة رائعة" لأول مرة، انتابتني نوبة امتنان عظيمة فكتبت أشكر أصدقائي على وجودهم في حياتي، أشكر الله على نعمه وأحمده، وأتفكر في نفسي وما فعلت وما قدمت في حياتي وفيما إذا كان لي أثر إيجابي أم لا. احتواء الفيلم على كل هذه القيم الجمالية تجعلنا نهب إلى فعل تلك الأشياء الصغيرة التي تسعد الناس حولنا وإن كانت بسيطة إلا أنها تترك أثراً طيباً، هو حتماً يلهمنا بأن نقدّر كل الأشياء الجميلة: "تردد إبريل، رائحة الخبز في الفجر، آراء امرأة في الرجال، كتابات أسخيليوس، أول الحب، عشب على حجر، أمهات تقفن على خيط ناي، وخوف الغزاة من الذكريات" كما ينشد محمود درويش في رائعته وننشدها نحن دوماً كلما غمرنا الإحباط "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".


وصلات خارجية:
http://www.youtube.com/watch?v=IQoXV6oCzsQ
الفيلم كاملاً لمن يود مشاهدته..
______

نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية بتاريخ 1 أغسطس، 2012

"سائق التاكسي".. حين يكون المرء هو الوحيد هنا وهناك!


بطاقة الفيلم:
سائق التاكسي (1976)
اللغة: الإنجليزية
إخراج: مارتين سكورسيزي
بطولة: روبيرت دي نيرو، جودي فوستر، سيبيل شيبرد
الجوائز والترشيحات: ترشح لأربع جوائز أوسكار في فئة أفضل فيلم، وأفضل ممثل رئيسي، وأفضل ممثلة ثانوية، وأفضل موسيقى.

بطل في مفهومه الخاص، وقاتل في مفهوم آخر: ترافيس بيكل، جندي بحرية سابق شارك في حرب فييتنام، ويعمل كسائق تاكسي في حواري مدينة نيويورك، ليقضي وقته في تأمل الليل وكل ما يحمله الليل من أسرار وحكايات وفواجع. هو وحيد ومنسي وفي حاجة ماسة [ويائسة] إلى إثبات وجوده.
يعد هذا الفيلم من ضمن سلسلة شراكات عديدة بين المخرج القدير مارتين سكورسيزي والممثل روبيرت دي نيرو، فهو ثاني عمل بينهما مما مهد لستة أعمال أخرى عظيمة مثل "رفاق طيبون" و"الثور الهائج" و"كاسينو". جميع هذه الأعمال تقع تحت تصنيف الجريمة والإثارة، وهو ما برعوا وتميزوا فيه. عامل الإثارة مهم أيضاً في فيلم "سائق التاكسي" ولكن برأيي العامل السايكولوجي هو أهم ما في الفيلم، لأنه على الرغم من أنه يتناول عدة شخصيات، إلا أنه تناول هذه الشخصيات بذاتية عالية، فجميعها تُرى من خلال عين ترافيس بيكل، فيشعر المشاهد بما يشعر به ترافيس بيكل، يحتقر ما يحتقر، ويتألم لما يتألم. وللسبب ذاته، قد يجد المشاهد نفسه يشفق على القاتل بدل المقتول، ويكره بذاءة مدينة نيويورك وليلها ونواديها، وينغمس في وحدته وتعاسته وعزلته واغترابه – تماماً كترافيس بيكل.
هذا الإنسان الذي يقول عن نفسه: "لقد تبعتني الوحدة طيلة أيام حياتي، في كل مكان، في الحانات، السيارات، الممرات، المحلات، في كل مكان. لا مجال للهرب، أنا ابن الله الوحيد" ما يفتئ يحاول أن يرتبط بمحيطه، أن يتمسك بخيط نجاة ينتشله من وحدته، ويتمثل هذا الخيط في حبيبة كـ "بتسي" الشقراء الجميلة، أو في فتاة صغيرة "آيريس" تعمل في الدعارة ويود انقاذها مما هي فيه، أو حتى من خلال مهنة سواقة سيارة الأجرة وتجواله المستمر في أنحاء المدينة. تفشل كل محاولات ترافيس بيكل للارتباط حتى يحدث نفسه في المرآه بغضب مبين حاملاً مسدسه في مشهد شهير "أتتحدث إلي؟  قل لي أتتحدث إلي؟ هل تتحدث إلي؟ أنا الوحيد هنا، فمع من تتحدث؟" وهو فعلاً الوحيد هنا، وهناك، وفي كل مكان.
للناقد السينمائي روجر إيبرت ملحوظة مهمة في معنى الفيلم، فعندما يتحدث ترافيس بيكل إلى بيتسي عبر الهاتف، وتعلمه غاضبة بأنها لا تود أن تراه بعد اليوم، تتحرك الكاميرا بشكل أفقي من مشهد بيكل على الهاتف إلى ممر طويل موحش بجانبه، وتثبت الكاميرا هناك، فيما يحاول بيكل عبثاً إقناعها بالرجوع. يصف سكورسيزي هذا المشهد بأنه المشهد الأهم على الإطلاق في الفيلم، لأنه يعامل المشاهد وكأنه لا يتحمل ولا يستطيع رؤية بيكل عندما ترفضه بيتسي، فشعور الرفض هنا أقوى من قدرة المشاهد على تحمله. أما في مشهد آخر، مغاير تماماً، مليء بالعنف والدماء ورائحة الموت، فقد تم تصويره كاملاً من غير أي قطع وبحدة مزعجة من غير أي مراعاة لمشاعر المشاهد في هذه الحالة، بل والأحد من ذلك، أن بعض مشاهد القتل تم تصويرها تصويراً بطيئاً من الأعلى لإغراق المشاهد في عنف التفاصيل. يبدو من الواضح من خلال هذين المشهدين أن المخرج يود إبراز معاناة الرفض والنبذ والوحدة على أنها أقوى بكثير من معاناة العنف والقتل، وهذا يساعدنا على فهم شخصية ترافيس بيكل أكثر بل والإبحار في عوامل وأسباب العنف المدني. ثيمة الوحدة وثيمة العنف لا يتمثلان فقط في هذين المشهدين، بل طوال الفيلم وذلك عبر موسيقى جاكسون براون البديعة. فتكرار عال لطبول متسارعة متلاحقة، تجعل المشاهد يشعر بالرهبة والجزع، في مقابل صوت آلة الساكسفون لموسيقى الجاز الهادئة التي تبعث على السكينة والعزلة والنوستالجيا.
فيلم "سائق التاكسي" ليس بمسل، بل هو غارق في السوداوية، فبين ترافيس بيكل الوحيد والمنبوذ، وترافيس بيكل العنيف والحاقد على كل شيء، يتسائل المشاهد هل تؤدي الوحدة إلى العنف؟ هل هي سبب رئيسي أو عامل مساعد ومحفز؟ هل نعتبره مجنوناً؟ أو ربما كلنا مجانين، حسبما يقول صامويل بيكيت في مسرحيته الشهيرة "في انتظار غودو": "جميعنا نولد مجانين. والبعض منا يبقى هكذا". ربما، بهكذا استنتاج، نستطيع أن نفهمهم أكثر – حاملي المسدسات الوحيدين.


وصلات خارجية:
http://www.youtube.com/watch?v=lQkpes3dgzg
المشهد الشهير الذي تحدثت عنه في المقال You Talkin' to Me
____

نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية.. بتاريخ 25 يوليو، 2012

"سينما براديسو".. الطفولة بعين الكاميرا السينمائية البريئة


بطاقة الفيلم:
سينما باراديسو (1988)
اللغة: الإيطالية
إخراج: جيوسيبي تورناتوري
بطولة: فيليبي نورييه، جاك بيرين، بريجيت فوتسي
الجوائز والترشيحات: فاز بجائزة أوسكار عن أفضل فيلم أجنبي، وفاز أيضاً بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان وبجائزة الكرة الذهبية لأفضل فيلم أجنبي.
عندما يكون الإنسان محباً للفن، فهو يرى كل ما حوله بعين الجمال والإنسانية، فيكون مغرقاً في تفاصيل الأشياء ويكون حالماً دوماً بغد أجمل. أن تولع بالفن بجميع تفرعاته يعني أن تولع بالحياة والإنسانية والحب، وهذا هو حال سلفاتوري بطل فيلم "سينما باراديسو" المولع بالفن السابع في كل مراحل عمره الثلاث، الطفولة والشباب ومرحلة بلوغ الحكمة. فيلم "سينما باراديسو" من إخراج المخرج الإيطالي المبدع جيوسيبي تورناتوري والذي أخرج العديد من الأفلام الجميلة كـ"مالينا" و"أسطورة 1900" وقد تعاون في الكثير من أفلامه -  بما في ذلك فيلمنا اليوم - مع المؤلف الموسيقي الشهير إينيو موريكوني وأخرجا معاً تحفاً فنية. فيلم "سينما باراديسو" لا يقل جودة وروعة عن باقي أفلام تورناتوري، بل من الممكن أن نقول أنه كان الفتيلة في إطلاق قدرات وإبداعات تورناتوري، وهو الفيلم الذي أكسبه شهرته الواسعة.
يبدأ الفيلم بمشهد للمخرج الشهير سلفاتوري دي فيتا وهو عائد إلى منزله في روما لتخبره صديقته أنها تلقت اتصالاً من أمه لتبلغه بوفاة "الفريدو"، تتسائل من يكون الفريدو هذا في حين يسرح سلفاتوري إلى الماضي البعيد، وهنا نعلم أن بقية أحداث الفيلم ستصور على طريقة الفلاش باك وبالتالي سيكون للحنين والنوستالجيا دوماً حضور. ننتقل بعدها إلى أحداث سلفاتوري الصغير، الملقب حينها من قبل الجميع بـ "توتو" في قريته الصغيرة النائية في صقلية. منذ صغره، كان توتو مولعاً بالسينما فكان يتسلل خفية إلى دار السينما الوحيدة في قريته، سينما باراديسو، ليشاهد جميع الأفلام المعروضة، سواء مع الحضور أو مع الكاهن الذي كان يتصرف كجهاز الرقابة فتمر جميع الأفلام من خلاله أولاً ليستقطع منها ما يشاء من مشاهد الرومانسية ثم يستطيعوا بعدها عرض الفيلم للناس جميعاً في تلك القرية. كانت مقاطع الأفلام المقطوعة تتراكم في زاوية مهجورة في غرفة العرض لتبدو وكأنها انثولوجيا لرواية جميلة بأبطال كثر عن الحب. كان توتو يضحك وهو يستمع إلى جرس الكاهن الذي يدل على وجود مشهد للقطع، وكان الفريدو، عارض الأفلام، يعلم بتسلل توتو دوماً إلى دار السينما، وقد حاول منعه مرات عدة بلا جدوى إلى أن تعود عليه فأصبحا صديقين. تنشأ بينهما علاقة صداقة حميمية مع مرور الأيام أشبه بعلاقة الأب بابنه إذ يرى كل منهما في الآخر ما فقده من مشاعر الأبوة أو البنوة. وهكذا، لعشاق الأفلام، تبدأ سلسلة طويلة لمشاهدات توتو لمختلف الأفلام في سينما باراديسو، وإن كنتم متابعين لأفلام هوليوود الكلاسيكية لاستطعتم معرفة بعض الأفلام المعروضة. هذه المشاهد القصيرة في الفيلم تنقل للمشاهد صورة عذبة عن حياة صقلية وكيف تتمحور تسليتهم في الذهاب إلى السينما، فتجد هناك من يذهب للنوم، وهناك من يذهب وهو ساخط على جميع المقاطع المقطوعة، وهناك الأحبة الذين يجتمعون همساً في السينما، والعديد غيرها من المشاهد الجميلة التي تبعث إلى الألفة والحنينية.
الأجزاء الأولى في الفيلم والتي تعني بحياة توتو الصغير هي الأكثر سحراً وجمالاً إذ يستطيع كل محب لمشاهدة الأفلام أن يربط نفسه بتوتو الصغير، بل ويربط ذكرياته الأولية في السينما بذكريات توتو وتسلله المتكرر. تذكرتُ أحاديث والدي عن ليالي القاهرة حين كان طالباً، فيستجمع من راتبه الشهري ليتمتع كل شهر بمشاهدة فيلماً في "السيما" وفق لهجة أحبتنا في مصر. أظننا فقدنا هذه الجمالية لتوفر الأفلام بكل سهولة هذه الأيام في أيدي الجميع، ولكن يعلمنا الفيلم أن نقدّر كل ما نملك وأن ندرك أبسط الجماليات التي قد لا نستوعبها اليوم في زحمة هذه الحياة. ينتقل الفيلم بعدها إلى حياة توتو الشابة حيث طوّر الآن من موهبته وأصبحت الكاميرا لا تفارق يده، فيحاول تصوير كل شيء يدعو للتفكر ويمثل الجمال. وكانت أولى صوره، الفتاة الجميلة ابنة صاحب البنك الثري، "إلينا". وهنا تبدأ ملحمة أخرى في حب الفتاة، تكاد لا تختلف بشغفها وقوتها عن الحب الأولي وهو السينما. أما الجزء الأخير من الفيلم وهو حياة توتو أو سلفاتوري البالغة حين أصبح مخرج أفلام شهير فهي قصيرة مقتضبة، لعل أجملها مشهد النهاية الذي أتركه بكل تأكيد للمشاهد.
فيلم "سينما باراديسو" موجه إلى جميع عشاق السينما والأفلام، إلى تلك الأرواح المضيئة التي تود استخدام آلة التصوير لإبراز الجمال حول العالم، أو حتى لإبراز المعاناة، فمن صلب المعاناة تولد الرحمة والمحبة بين الناس. إلى أولائك الحالمين دوماً بغد أفضل، ويوظّفون أحلامهم عن طريق آلة التصوير، حتماً ستسلهمون الكثير من مشاهدة هذا الفيلم.

_______

نُشر المقال في صفحة سينما، جريدة الرؤية بتاريخ 17، يوليو، 2012